شرط إعادة المراجعة في عقود التجارة الدولية
تُعد عقود التجارة الدولية من أكثر العقود انتشاراَ بصفه عامة، وخصوصاَ في مجال تبادل السلع والخدمات ونقلها عبر الحدود، ومع التطور العلمي والتكنولوجي الرهيب ظهرت أنواع من عقود التجارة الدولية لم تكن معروفه في السابق، ولم تشملها النظم القانونية الوطنية بتنظيم تشريعي يتوافق مع خصوصية هذه العقود، وهي العقود غير المسماة ومن أمثلتها عقود نقل التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، وعقود تسليم المفاتيح في اليد، وعقود التعاون الصناعي، وعقود المساعدة والدعم الفني، وغيرها من العقود الأخرى التي انتشرت في الآونة الأخيرة، وتتميز هذه العقود بأنها عقود مركبة وطويلة الأجل، وهو ما يثير العديد من الإشكاليات سواء في مرحلة التفاوض وإبرام العقود أم في مرحلة التنفيذ، وإذا كان الأصل العام في عقود التجارة الدولية هو الوفاء بالالتزامات العقدية وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين الأطراف بشكل سليم وهادئ، إلا أنه قد يطرأ من المتغيرات والظروف ما قد يثير نزاعاَ بين الأطراف، من أجل ذلك وتماشياَ مع هذه المتغيرات والظروف الطارئة والقوة القاهرة، وطول فترة تنفيذ عقود التجارة الدولية، فقد ظهر شرط إعادة المراجعة في العقود الدولية، وبناء على ذلك ولما كان شرط إعادة المراجعة في عقود التجارة الدولية بمثابة طوق النجاة لاستمرار عقود التجارة الدولية وتنفيذها متي كانت هناك متغيرات وظروف طارئة قد تتسبب في عدم تنفيذ هذه العقود، وذلك من خلال النص عليه أثناء الصياغة، ومن ثم يقوم الأطراف بإعادة التفاوض للوصول لاتفاق مشترك من أجل تحقيق التوازن والعدالة بينهم، فإننا سنحاول ومن خلال هذا المقال إلقاء النظر على شرط إعادة المراجعة في عقود التجارة الدولية، وذلك على النحو التالي:[1]
أولا: ماهية عقود التجارة الدولية:
ثانيا: التعريف بشرط إعادة المراجعة والتميز بينه وبين النظريات الأخرى:
ثالثا: الضوابط القانونية لإعادة مراجعة عقود التجارة الدولية:
رابعا: الآثار المترتبة على إعادة مراجعة عقود التجارة الدولية:
أولا: ماهية عقود التجارة الدولية:
بالرغم من وجود العديد من الاتفاقات الدولية التي اهتمت وعالجت عقود التجارة الدولية، إلا أنها لم تقم بوضع تعريف محدد لها، وذلك خوفاَ من التغيرات والطبيعة الخاصة بالحياة التجارية والتي تتسم بالسرعة في التغيير والتطور وفقا لمتغيرات الحياة، ومن ثم فوضع تعريف محدد لها قد يجعل هذا التعريف عاجز أمام كافة عقود التجارة الدولية وما تتسم به من مرونة، وهو ما فتح الباب أمام الاجتهادات الفقهية المتعددة لوضع تعريف لعقود التجارة الدولية.
ـ فقد عرفها البعض بأنها: ” توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني معين يتمثل في إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل “.[2]
هذا وقد اتجه البعض الأخر لوضع معايير معينة حتى نكون بصدد عقد تجاري دولي، حيث اتجه هذا الفريق للقول بأن هذه العقود تعتبر عقود دولية بغض النظر عن جنسية أطرافها إذا كان العمل أو النشاط التجاري عابر للحدود حتى ولو اتحدت جنسية الأطراف، ولعل ذلك ما نصت عليه (المادة الأولي) من اتفاقية فيينا 1980 والخاصة بعقود البيع الدولية حيث نصت على: ” تطبق أحكام هذه الاتفاقية على عقود بيع البضائع المعقودة بين أطراف توجد أماكن عملهم في دول مختلفة “.
كما أن هذه العقود تُعتبر تجارية متي وضعت لتسوية عمل تجاري أو عندما يتم الاستعانة بها لتلبية احتياجات النشاط التجاري، فالعقود المدنية قد تصلح أن تكون عقوداَ تجارية، وأن معظم العقود التي يبرمها التاجر هي عقود تجارية.
وينتج عن عقود التجارة الدولية مجموعة من الالتزامات بين الأطراف وحقوق وواجبات لكل طرف، وأن إخلال أي طرف بالتزاماته يترتب عليه بعض الجزاءات والتعويضات والتي يتم النص عليها عند صياغة العقد، ويمكن القول بأن الالتزامات في عقود التجارة الدولية هي التزامات تبادلية بين الأطراف، ونظراَ لتنوع عقود التجارة الدولية وتعددها فإنه من الصعب الوقوف على مجموعة محددة من الالتزامات والتي يجب أن تحدد وفق مضمون كل عقد على حده.
إلا أنه ومع تغيير الظروف فقد تنعدم أو تتقلص المسئولية، وهذه الظروف والمتغيرات التي قد تطرأ لا بد من النص عليها في العقود وإن كان يصعب حصرها، ولكن يمكن أن تكون على سبيل المثال، كما أن القوة القاهرة لها دور كبير في انعدام أو تقليص المسئولية على أطراف العقد أو على أحدهما، وهو ما دفعنا لتناول شرط إعادة مراجعة هذه العقود أو ما يسمي بإعادة التفاوض في البند التالي، لوضع ضوابط وشروط جديدة لتنفيذ الالتزامات بعد ما قد يظهر من متغيرات أو ظروف يصعب معها تنفيذ الالتزامات العقدية في عقود التجارة الدولية.
ثانيا: التعريف بشرط إعادة المراجعة والتميز بينه وبين النظريات الأخرى:
1ـ التعريف بشرط إعادة المراجعة:
إذا كان الأصل العام أن العقد ملزم لأطرافه وأن كل طرف عليه مجموعة من الالتزامات العقدية واجبة التنفيذ، إلا أنه قد تطرأ ظروف استثنائية لم تكن في الحسبان قد تجعل من تنفيذ العقد بالطريقة التي أبرم بها مرهق ومسبب لخسائر فادحة لطرفي العقد أو لأحدهما، وقد نشأ عن ذلك فكرة إدراج شرط أو بند في العقد سُمي بإعادة المراجعة، أو إعادة التفاوض بين الأطراف حال حدوث مثل هذه الظروف الاستثنائية، في محاوله أخرى منهم لفتح الباب نحو تنفيذ العقد بشكل يقبله الأطراف ولا يسبب لهم أضرار أو خسائر فادحة، بحيث يتم إعادة التفاوض من جديد بين الأطراف للوصول لاتفاق على آلية تنفيذ التعاقد بعد ما قد طرأ من متغيرات، وبشكل مرضي للأطراف.
وكما أن أساس التعاقد هو تحقيق التوازن العقدي الذي يرضي الأطراف، والذي يجب أن يستمر طالما استمر التعاقد، ومن ثم فإن ظهور أي أحداث أو متغيرات طارئة تؤثر على الأطراف فإنهم ملتزمون بإعادة المراجعة أو التفاوض من أجل إعادة التوازن غلى العقد.[3]
وإذا كانت مرحلة المفاوضات تحتل مكانة متقدمة بين الأطراف إذ يعتمد عليها الأطراف لتقريب وجهات النظر بينهم بما يحقق مصالحهم المشتركة ومن ثم تنفيذ العقد بشكل سلس وسليم ومستقر، إلا أن أهمية هذه المفاوضات تتعاظم بعد البدء في تنفيذ عقود التجارة الدولية باعتبارها الوسيلة التي يلجأ إليها الأطراف للمحافظة على استمرار العقد لما يقدمه للأطراف من حلول للمشكلات التي تستجد وتتسبب في إخلال التوازن العقدي بينهم وتجعل من تنفيذ العقد أمراَ مستحيلاَ أو مرهقاَ، بحيث لا يكون هناك مفر من إعادة التفاوض بين الأطراف للوصول لآلية حماية التعاقد وكيفية تنفيذه.
ويجب لكي يلجأ الأطراف لإعادة التفاوض أن يكون هناك اتفاق مسبق فيما بينهما على ذلك، وأن يتضمن الاتفاق الأحداث التي تستوجب تطبيق هذا الشرط، والتي تكون خارجة عن إرادة الأطراف وغير متوقعة منهم قبل وقت الإبرام، ولا يجوز الخروج عنها، ويجب على الأطراف أن يُحددا المقصود باختلال التوازن العقدي، وأن يتفقا على مصير العقد أثناء مرحلة إعادة المراجعة ومصيره حال مفشلها.[4]
وقد يلجأ الأطراف لإعادة المراجعة أو إعادة التفاوض أثناء تنفيذ العقد بغير أن يتم إدراج هذا الشرط ضمن بنود العقد، ويرى الأطراف أنه لا محالة من اللجوء لإعادة التفاوض وإعادة النظر في بنود بعينها والتي يصعب أو يستحيل معها تنفيذ العقد، غير أن إعادة المفاوضات لا تؤدي دائما للوصول لحل يرضي الأطراف، بل من الممكن أن تبوء المفاوضات بالفشل وذلك حال عدم وجود حسن نية، ورغبة الأطراف في إحداث تقدم ملموس في المفاوضات.
ولعل هذا الشرط (شرط إعادة المراجعة) ما هو إلا شرط يتم إدراجه من قبل الأطراف المتعاقدة، وبمقتضاه يلتزم الأطراف بإعادة التفاوض حال وقوع أحداث ومتغيرات طارئة لم يكن في الحسبان توقعها، والتي يترتب على تنفيذ التعاقد معها إخلال جسيم بالتوازن العقدي، ويكون الهدف من هذا التفاوض والمراجعة هو تعديل العقد بما يتماشى مع الظروف والمتغيرات الجديدة وإعادة التوازن العقدي بين الأطراف.
هذا وقد عرفه البعض بأنه: ” إعادة تفاوض الأطراف من جديد بشأن عقد في مرحلة تنفيذه من خلال التشاور والبحث المشترك عن اتفاق بهدف جعل سلوك الأطراف مساير لمصالحهم التي قد تكون مشتركة، ومختلفة أو حتى متناقضة “.[5]
2ـ التميز بين شرط إعادة المراجعة والنظريات الأخرى:
أ ـ شرط إعادة المراجعة ونظرية الظروف الطارئة:
ومن هنا يمكن القول بأن شرط إعادة المراجعة يتشابه مع نظرية الظروف الطارئة في أن الظروف الاستثنائية أو المتغيرات يجب أن تكون مفاجئة وغير متوقعة ولا دخل لأحد الأطراف في حدوثها، كما أن كل منهما يهدف للحفاظ على استمرا العقد وإعادة التوازن بين الأطراف، غير أن الطبيعة القانونية لكل منهما تختلف حيث أن شرط إعادة المراجعة أو التفاوض يكون الأساس القانوني له هو اتفاق الأطراف في بنود العقد، وذلك على خلاف الظروف الطارئة والتي يكون الأساس القانوني لها هي التشريع، حيث أن هذه النظرية مدرجة في معظم إن لم يكن كل التشريعات، كما أنه وحال لجوء الأطراف للقضاء فإن الأخير لا يملك تطبيق نظرية الظروف الطارئة من تلقاء نفسه برغم أنها من النظام العام فيجب أن يطالب بها أحد الأطراف، وذلك على عكس شرط إعادة المراجعة والذي يجيز للقاضي إعماله من تلقاء نفسه كونه يكون مدرج في العقد كبند أصيل، ذلك أن العقد شريعة المتعاقدين، ومن ثم يحق للقضاء تطبيقه من تلقاء نفسه.
ب ـ شرط إعادة المراجعة ونظرية القوة القاهرة:
إذا كان إعادة المراجعة يتشابه لدي البعض مع نظرية القوة القاهرة، إلا أن هناك اختلاف فيما بينهما فالقوة القاهرة ما هي إلا حادث يستحيل دفعه وغير ممكن توقعه، ومن ثم يستحيل معها تنفيذ العقد وهو الأمر الذي معه تتقلص المسؤولية وقد تنتفي، وتستمد نظريه القوة القاهرة قوتها من اتفاق الأطراف وكذلك التحكيم التجاري الدولي، والقوة القاهرة لا تنطبق على المسؤولية العقدية فقط وإنما تمتد لتشمل كذلك المسؤولية التقصيرية، في حين أن إعادة المراجعة أو التفاوض ينحصر على التصرفات العقدية فقط فهو اتفاق يستمد قوته من اتفاق وإرادة أطرافه، ومن ثم فهو متغير من عقد لأخر وفق هذه الإرادة، كما أن القوة القاهرة تؤدي غالياَ إلى استحالة التنفيذ، ومن ثم فهي أحد الأسباب الرئيسية لفسخ العقد، وذلك على عكس إعادة المراجعة والتي تُعد سبباَ في الحفاظ على العقد وبقاءه، إذ أن تغير الظروف وعدم قدرة الأطراف على تنفيذ العقد وفق مضمونة مع تلك الظروف يؤدي بهما للجلوس سوياَ وإعادة المراجعة للعقد للوصول لاتفاق يضمن تنفيذ العقد ويحقق التوازن بينهما.
ثالثا: الضوابط القانونية لإعادة مراجعة عقود التجارة الدولية:
إذا كان الأصل أنه يجوز للأطراف في عقود التجارة الدولية تعديله بعد الانعقاد وأثناء مرحلة التنفيذ وذلك وفقاَ للظروف والمتغيرات التي طرأت، من أجل أن يتم إعادة التوازن العقدي فيما بينهم، إلا أن هذا التعديد يجب أن يتم وفق الإرادة الحرة لأطراف العقد، وهو ما يعني أن المبدأ المعمول به في هذه العقود هو مبدأ سلطان إرادة الأطراف والتي لا يجوز الخروج عليها، وقد يتم تضمين العقد بهذا الشرط وفي هذه الحالة يكون شرط ملزم لأطرافه ولا يجوز العدول عنه، طبقاَ للقاعدة القانونية أن العقد شريعة المتعاقدين.
أما إن لم يتم تضمين شرط إعادة المراجعة في العقد، فقد اختلف الفقه حول مدي الزام الأطراف بهذا الشرط فالرأي الأول يري أنه ملزم حتي وإن لم يتم تضمينه في العقد كون هذا الشرط يُعد بمثابة قاعدة من قواعد قانون التجارة الدولية وبالتالي يتم تطبيقه من قبل القضاء والتحكيم دون الحاجة لاتفاق عليه صراحة في العقد، وقد أكدت هذا الرأي محكمة التحكيم في القضية رقم (2291) لسنة 1975 بالنص على: ” كل عقد دولي يفترض فيه أنه عقد قائم على توازن أداءاته المتقابلة “، بينما يري الجانب الأخر بعدم جواز تطبيق هذا الشرط حال عدم النص عليه صراحة في العقد، حيث أن عدم قيام الأطراف بإدراج هذا الشرط في العقد يُعبر عن نيتهم بعدم تطبيق هذا الشرط حال تغيير الظروف.
وهناك مجموعة من الشروط الواجب توافرها حتى يتم تطبيق شرط إعادة المراجعة وهذه الشروط هي كالتالي:
أ ـ فجائية الظرف أو الحدث وعدم توقعه:
يقوم أطراف العقد التجاري الدولي بالتعاقد وفق الظروف والملابسات الموجودة على أرض الواقع إلا أنه قد تحدث ظروف أو متغيرات تؤدي إلى عدم القدرة على التنفيذ بالوضع الراهن بعد حدوث هذه الظروف، ومن ثم يتم اللجوء لإعادة مراجعة العقد للوصول لاتفاق يضمن تنفيذ العقد دون إرهاق لأحد الأطراف على حساب الأخر، ولكن يجب أن تكون هذه الظروف حدثت فجأة ولم يكن في استطاعة الأطراف توقعها، فلو كانت هذه الظروف متوقعة لقام الأطراف بأخذها في الاعتبار عند التوقيع على العقد، كما أكدت محكمة التحكيم في القضية رقم (2216) لسنة 1974 على أنه: ” يعني عدم التوقع أنه في لحظة وقوع الحدث أنه لا توجد أية أسباب خاصة تدل على أنه سوف يقع”، وقد أكد ذات القرار على أنه: ” يتحدد عدم التوقع بوضع أحد الأشخاص في نفس الوقت في ظروف المدين لمعرفة ما إذا كان من الممكن أن يأخذ في اعتباره الحدث وقت إبرام العقد “، وهو ما يعني أن الظرف أو الحدث الفجائي الذي وقع بعد أو أثناء تنفيذ العقد حدث فجأة ولم يتم توقعه ولم يكن في متخيل الأطراف حدوثه، ومن ثم يكون من حق الأطراف اللجوء لشرط المراجعة وإعادة صياغة العقد بما يحقق التوازن العقدي بينهم من خلال مفاوضات تتسم بالجدية وحسن النية.
هذا وقد أصدرت غرفت التجارة الدولية بباريس عام 1985 بعض الاقتراحات المتعلقة بالظروف الطارئة، وذلك بتضمينها شرط عدم توقع الحادث الاستثنائي من خلال النص على: ” في حالة وقوع أحداث غير متوقعة من الأطراف، من شأنها أن تعدل بشكل أساسي توازن العقد”، وقد أكدت على ضرورة تحقق هذا الشرط في الالتزام بإعادة التفاوض في عقود التجارة الدولية ضمن الشرط النموذجي الذي أصدرته عام 2003 من خلال النص على: ” ولا يسري حكم الفقرة الأولي من هذا الشرط النموذجي إذا أثبت الطرف أن تنفيذ التزاماته التعاقدية قد أصبح مغالى فيه، وذلك بسبب حدث خارج عن السيطرة المعقولة له، وأن هذا الحدث لا يمكن أن يأخذه في اعتباره بشكل معقول وقت إبرام العقد “.
كما أنه وإعمالاَ لمبدأ حسن النية وأن عقود التجارة الدولية تتسم بانها عقود طويلة الأمد، فقد تكون الظروف أو المتغيرات غير متوقعة لدي أطراف العقد وقت التعاقد، إلا أنه ومن الممكن أن تكون متوقعه خلال التنفيذ، ومن ثم فلا يمكن حرمان الأطراف من هذا الشرط في هذه الحالة كونه أقدم على التعاقد وهو حسن النية.
ب ـ عدم تدخل إرادة الأطراف في تغيير الظروف:
أكدت مبادئ عقود التجارة الدولية عام 2014 على هذا الشرط بقولها: ” أن تكون هذه الأحداث خارجة عن سيطرة الطرف الذي تعرض لها “، وهذا الشرط من الشروط البديهية، حيث انه لا يجوز أن يستفيد المتعاقد من ظرف كان هو من صنعه أو تسبب في حدوثه بتصرف ما وفق إرادته غير مكره عليه، فمن غير المنطقي أن يقوم المتعاقد بإصدار الحدث بإرادته ثم يقوم بالاستفادة منه عن طريق إعادة المراجعة، وقد اختلف الفقه نحو المعيار الذي يمكن من خلاله تقدير عما إذا كان للمتعاقد يد في إحداث الظروف من عدمه، فالبعض أخذ بالمعيار الموضوعي والذي يتمسك من خلاله بضرورة صدور فعل أو عمل مادى من جانب المتعاقد، والبعض الأخر اتجه إلى الأخذ بالمعيار الشخصي والذي يعتبر عنصر الإرادة هي العامل الأهم في تحديد تدخل المتعاقد من عدمه، والأرجح أن يتم الأخذ بالمعيار الأخير وهو المعيار الشخصي والذي يعتمد على إرادة المتعاقد إذ من الممكن أن يقوم المتعاقد بفعل ما أو نشاط ما يتسبب في الحدث ولكن يكون مكره على ذلك ومع ذلك يحرم من شرط إعادة المراجعة بحجة أنه هو من صنع الحدث، وهذا غير جائز ولا معقول إذ أن الأخذ به يتسبب في أضرار بالغة بهذا المتعاقد على أحداث لا دخل لإرادته الحرة بإحداثها.[6]
جـ ـ اختلال التوازن العقدي:
لا يمكن أن يتم طلب إعادة المراجعة أو التفاوض إلا إذا ترتب على تغيير الظروف حدوث اختلال التوازن العقدي إخلالاَ جسيماَ لم يكن في الحسبان يؤدي للإضرار بأحد المتعاقدين متجاوزاَ المخاطر العادية التي قد تقع دائماَ وتكون متوقعه، فالغرض من إعادة المراجعة والتفاوض هو إعادة هذا التوازن الذي اختل أثناء التنفيذ، ومن ثم فإنه وفي حالة عدم حدوث إخلال بالتوازن العقدي بعد تغير الظروف ورغم توافر الشروط الأخرى، فلا يمكن تطبيق شرط إعادة المراجعة لعدم وجود ضرر أو تغيير في مجريات الأمور.
هذا وقد عرف الفقه اختلال التوازن بأنه: ” الاضطراب الذي يطرأ على العلاقة التعاقدية بسبب ظروف غير متوقعة تؤدي إما إلى زيادة تكاليف التنفيذ بصورة جوهرية، وإما إلى نقص الأداء المقابل “.
وسؤال يطرح نفسه في هذا المقال عما إذا كان إخلال التوازن العقدي شرط لإعادة المراجعة والتفاوض، فما هو المعيار الذي يقاس به هذا الإخلال، وهو ما اختلف بشأنه، فالبعض أخذ بالمعيار الموضوعي، وهو المعيار القائم على الصفة ذاتها دون النظر لشخص المتعاقد وظروفه الخاصة، واعتمد أن يتم وضع شخص أخر في ذات الظروف التي حدثت للمتعاقد للوقوف على مدي اختلال التوازن العقدي من عدمه، فإن حدث ضرر جسيم توافر اختلال التوازن والعكس، والبعض الأخر يأخذ بالمعيار الشخصي والذي يعتمد على الظروف الشخصية للمتعاقدين وحال وقوع خسائر جسيمة بالمتعاقد من جراء هذه الظروف فإن هذا الاختلال بالتوازن يؤدي حتماَ للجوء لإعادة التفاوض لتحقيق التوازن العقدي بين الأطراف المتعاقدة.
رابعا: الآثار المترتبة على إعادة مراجعة عقود التجارة الدولية:
يترتب على وجود وتحقق شرط إعادة المراجعة والتفاوض مجموعة من الأثار تتمثل في بعض الالتزامات الملقاة على عاتق أطراف عقد التجارة الدولي، وذلك من أجل الوصول إلى اتفاق يتلاءم مع المتغيرات الجديدة ويؤدي حسن سير إعادة المفاوضات، وهذه الالتزامات تتمثل في:
1ـ الالتزام بالإخطار:
يجب أن تتدخل أطراف العقد بعد حدوث الظروف الاستثنائية الطارئة التي أدت إلى اختلال التوازن العقدي، والذي يتطلب إعادة المفاوضات، فيجب على الطرف المضرور من هذه الظروف القيام بإبلاغ أو إعلام الطرف الأخر في العقد بكل ما من شأنه إعاقة تنفيذ العقد، والمقترحات والحلول إن وجدت، حتي يتسنى للطرف الأخر المشاركة في عملية إعادة التفاوض، ويعتبر هذا الإخطار أحد الإجراءات الضرورية في شرط إعادة المراجعة في العقود الدولية كونه وسيلة لإعلام الأطراف بكافة ما يدور من أحداث حول العقد، وهو بمثابة أول نقطة في عملية إعادة التفاوض.
ورغم أن التشريعات الوطنية لم تنص على ضرورة الإخطار، إلا أن النص جاء صريح على ضرورته في الاتفاقات الدولية، حيث نصت الفقرة الرابعة من (المادة التاسعة) والسبعين من اتفاقية الأمم المتحدة للبيع الدولي للبضائع على أنه: ” يجب على الطرف الذي لم ينفذ التزاماته أن يوجه إخطاراَ إلى الطرف الأخر بالعائق وأثره في قدرته على التنفيذ. وإذا لم يصل الإخطار إلى الطرف الأخر خلال مدة معقولة بعد أن يكون الطرف الذي لم ينفذ التزاماته قد علم بالعائق أو كان من واجبه أن يعلم به فعندئذ يكون مسئولاَ عن التعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم استلام الإخطار المذكور “.
كما تضمنت مبادئ يونيدروا للعقود التجارية الدولية النص على أن: ” يلتزم المدين بأن يخطر الدائن بوجود العائق ونتائجه على قدرته على التنفيذ. فإن لم يتسلم الطرف الأخر الإخطار خلال مدة معقولة بعد أن يكون المدين قد علم بالعائق أو كان في وسعه العلم به، فيسأل عن التعويضات المترتبة على عدم تسلم الإخطار “.
أما عن شكل الإخطار فإذا كان تم النص عليه في العقد فيلتزم بهذا الشكل كل من طرفي العقد ولا يجوز لهم الخروج عنه، أما إذا لم يتضمنه العقد فيجوز أن يتم الإخطار بأي شكل يعلم من خلاله الطرف الأخر بالتغيرات والظروف العائقة لتنفيذ العقد والمترتب عليها إعادة المراجعة والتفاوض، ومن الممكن أن يتم الإخطار بأي وسيلة سواء كان كتاباَ أو شفاهاَ أو بأي وسيلة أخرى.
2ـ الالتزام بالرد على الإخطار:
كما أن شرط إعادة المراجعة فرض على الطرف المتضرر إخطار الطرف الأخر في العقد فإنه أوجب على هذا الطرف الرد على هذا الإخطار، تطبيقاَ لمبدأ حسن النية الذي يسود علاقات التجارة الدولية، ففي حالة وصول الإخطار لإعلام الطرف الأخر (الدائن) بالعائق الذي يمنع أو يحول دون قيام المدين بتنفيذ العقد وإعادة التفاوض، فيلتزم الدائن بالرد على المدين إما بقبول إعادة التفاوض، وإما بفسخ العقد، أو اللجوء للتحكيم.
3ـ الأثار المترتبة على عدم الإخطار:
في البداية نود أن نشير إلى أنه إذا كان مصدر المسؤولية هو العقد فإن المسؤولية هنا تكون مسؤولية عقدية، أما إذا كان مصدر المسؤولية هو حسن النية والقانون كانت المسؤولية تقصيرية، ففي المسؤولية العقدية يكون الجزاء المترتب عليها إما التنفيذ العيني، وهو ما يصعب العمل به في عقود التجارة الدولية والذي غالباَ ما يكون أطرافه أو أحدهما دولة تتمتع بسيادتها الكاملة، وإما التعويض والذي يكون في كل من المسؤولية العقدية والتقصيرية، ولكنه في الأولي يقتصر على الضرر المباشر المتوقع فقط عدا حالتي الغش والخطأ الجسيم، أما المسؤولية التقصيرية فتشمل الضرر المتوقع وغير المتوقع ويجب أن تتوافر فيه أركان المسؤولية من خطا وضرر وعلاقة سببيه، فمن حق المتعاقد المضرور اللجوء للقضاء أو التحكيم لبحث مقدار الضرر الواقع عليه من عدم الإخطار.
كما نصت المادة (742) من المبادئ المتعلقة بالعقود الدولية على: ” للدائن الحق في تعويض كامل الضرر الذي لحفه جراء عدم التنفيذ حيث يشمل الضرر الخسارة التي لحقته والربح الذي فاته، بما في ذلك الربح الناتج للدائن عن مصروف أو خسارة تم تفاديها، قد يكون الضرر غير مالي لا سيما المترتب عن الأذى المادي أو المعنوي “.
ونصت المادة (74) من اتفاقية فينا للبيع الدولي للبضائع على: ” يتألف التعويض عن مخالفة أحد الطرفين للعقد من مبلغ يعادل الخسارة التي لحقت الطرف الآخر والكسب الذي فاته نتيجة المخالفة، ولا يجوز أن يتجاوز التعويض قيمة الخسارة أو الربح الضائع التي يتوقعها أو التي كان من واجبه أو يعلم بها كنتائج متوقعة لمخالفة العقد “.
ـ ولكن ما هو مصير العقد أثناء مرحلة إعادة المراجعة؟
يترتب على إعادة المراجعة والتفاوض إما الاستمرار في تنفيذ العقد أثناء تلك المرحلة أو وقف تنفيذه، ففي حالة النص على ذلك في العقد فلا توجد مشكلة حيث تكون النصوص ملزمة للأطراف سواء بالاستمرار أو الوقف بناء على رغبة الأطراف التي تم تضمينها في العقد، ولكن ماذا لو سكتت الأطراف عن ذلك؟ الأصل أن العقد يظل مستمر إعمالاَ لمبدأ القوة الملزمة للعقود، وأن سكوت الأطراف لا يعني وقف التنفيذ، وهو ما عملت به المبادئ المتعلقة بعقود التجارة الدولية، ولكن هذا لا يمنع من وقف تنفيذ العقد حال السكوت عن ذلك في مرحلة إعادة المراجعة، حيث أن بعض الشروط النموذجية التي أعدتها غرفة التجارة الدولية تشير إلى الأخذ بوقف تنفيذ العقد في مرحلة إعادة التفاوض، وكذلك القرارات الصادرة من التحكيم التجاري الدولي نصت على وقف التنفيذ العقد، وذلك متي كان وقف التنفيذ هو الحل الأمثل والمناسب في هذه الحالة، حال إذا ما كان استمرار التنفيذ يترتب عليه أضرار ومخاطر جسيمة.
وفي النهاية وحال انتهاء إعادة المراجعة ونجاحها في الوصول إلى اتفاق مرضي للأطراف فإنه يتم تنفيذ العقد وفق ما تم الاتفاق عليه والتزام كل منهم بما عليه من التزامات وما له من حقوق وفق الاتفاق الجديد، أما إذا فشلت المفاوضات فإن الأطراف قد تتخذ أحد الطرق الأتية:
أ ـ فسخ العقد: حال عدم التوصل لحل وإلى اتفاق يرضي الأطراف، فإذا كان العقد يعطي لأحد الأطراف الحق في فسخ العقد أو لكلاهما، وبالتالي يتم فسخ العقد وبالتالي يتم إعادة الحال لما كان عليه قبل التعاقد، أما إذا كان العقد لا يعطي لأحد أطرافه الحق في فسخ العقد فإنه ومن الممكن فسخ العقد بالاتفاق بين الأطراف.
ب ـ اللجوء للقضاء أو للتحكيم: عادة في حال عدم الوصول لاتفاق بين الأطراف – سواء التفاوض أو فسخ العقد – فإنه يتم اللجوء للقضاء أو للتحكيم لحل النزاع فيما بينهم.
إعداد/ د. محمد سعيد عبد المقصود.
[1] رشا أحمد حمصي، شرط إعادة التفاوض في العقود الدولية، بحث لنيل درجة الإجازة في الحقوق بكلية الحقوق ـ جامعة الشام الخاصة، 2021، صـ 6.
[2] محمد حسن منصور، العقود الدولية، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2009، صــ 7.
[3] علاء الدين عبد الله الحصاونة، الجوانب القانونية للالتزام بإعادة التفاوض ومراجعة العقود، مجلة الحقوق، مجلد رقم 38، العدد الأول، 2014، صـ 623.
[4] شريف محمد غنام، أثر تغير الظروف على عقود التجارة الدولية، أكاديمية شرطة دبي، 2010، صـ 41.
[5] هني عبد اللطيف، حدود الأخذ بفكرة إعادة التفاوض في العقد، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه ـ كلية الحقوق والعلوم السياسية ـ جامعة أبي بكر بلقايد، الجزائر، 2015، صــ 18.
[6] ميثاق طالب الجبورى، شروط إعادة التفاوض في عقد التجارة الدولية، دار الجامعة الجديدة، 2017، صــ 354.

