أسباب إعفاء الناقل البحري من المسؤولية وفقاً لأحكام القانون الأردني
تعتبر القواعد الحاكمة لمسؤولية الناقل البحري في القانون الأردني هي أحد أهم القواعد التي تناولها المشرع بالتنظيم، لاسيما وأنها تفرض الحماية على حقوق أطراف عقود النقل البحري، ناهيك عن أنها تقرر الحدود التي تبدأ معها أحقية الطرف المضرور في مطالبة الناقل بالتعويض عن تلك الأضرار، وأيضاً الحدود التي تنتهي عندها تلك الأحقية.
إلا أن القاعدة العامة دائماً ما يكون لها استثناءات تؤيدها وتقويها ولا تنفيها أو تضعفها، وباعتبار أن القاعدة العامة هي مسؤولية الناقل عن البضائع التي يقوم بنقلها، فإن الاستثناءات بشأن هذه القاعدة هي الحالات التي يقرر فيها المشرع إعفاء الناقل البحري من مسؤوليته، وذلك على الرغم من تحقق أضرار بالبضائع المنقولة بالفعل، حيث يكون فيها الإعفاء مستنداً إلى شروط وضوابط استثنائية لا يتحقق إلا بتحققها، وقد خصصنا هذا المقال لعرض وتوضيح تلك الاستثناءات المتمثلة في الأسباب التي قررها قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 لإعفاء للناقل البحري من مسؤوليته.
أولاً: السبب الأول: الخطأ الملاحي للعمال على السفينة
ثانياً: السبب الثاني: العيب الخفي بالسفينة
ثالثاً: السبب الثالث: الحادث العرضي والقوى القاهرة
رابعاً: السبب الرابع: الإضرابات
خامساً: السبب الخامس: العيب الخاص بالبضائع
سادساً: السبب السادس: المساعدة والإسعاف البحري
سابعاً: السبب السابع: التصريح الكاذب من الشاحن عن قيمة البضائع
ثامناً: السبب الثامن: شحن بضائع ملتهبة أو متفجرة دون علم الناقل
تاسعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: السبب الأول: الخطأ الملاحي للعمال على السفينة
قرر المشرع الأردني إعفاء الناقل البحري من المسؤولية بموجب نص المادة (213/1) من قانون التجارة البحرية، وذلك فيما تضمنه النص من أن (يضمن الناقل كل ما يلحق بالبضاعة من هلاك وتعيب وأضرار ما لم يثبت أن هذا الهلاك وهذا التعيب وهذه الأضرار ناتجة عما يأتي: 1- عن خطأ في الملاحة يعزى للربان، أو للملاحين، أو للسواقين، أو لغيرهم من العمال.).
وقد قرر المشرع في هذا النص إعفاء الناقل البحري من مسؤوليته عن أي أضرار تلحق بالبضائع المنقولة، ويكون سبباً في وقوعها الخطأ الملاحي الصادر من ربان السفينة، أو البحارة العاملين عليها، أو أي عامل من العاملين على السفينة، متى كان الخطأ الصادر منهم هو خطأ يدخل في إطار الأخطاء الملاحية.
وقد قصر المشرع الخطأ هنا على الخطأ الملاحي فقط دون سواه، والأخطاء الملاحية منها على سبيل المثال وليس الحصر ما يقع من خطأ في قيادة السفينة من قبل الربان أثناء رحلة النقل البحرية[1]، أو اتخاذ مناورات غير معتادة بالسفينة نتج عنها اصطدامها وتحطمها، أو غيرها من الأخطاء التي تدخل تحت وصف الأخطاء الملاحية.
مما نستخلص منه أن الناقل يظل مسؤولاً عن الأخطاء الأخرى التي يتم ارتكابها من قبل العاملين على السفينة وتخرج عن إطار الخطأ الملاحي، كما هو الحال في خطأ العاملين على السفينة في تستيف ورص البضائع المنقولة، أو ما يصدر عن ربان السفينة من أفعال تنطوي على الغش وتتسبب في أضرار بالبضائع، فهذه الأخطاء وغيرها من الأخطاء غير الملاحية تدخل في إطار مسؤولية الناقل البحري.
وباعتبار أن الإعفاء هنا يعد استثناء على الأصل، فإن عبء إثبات صفة “الخطأ الملاحي” على الخطأ المرتكب من قبل أحد العاملين على السفينة يقع بشكل رئيسي على عاتق الناقل البحري، ومتى تمكن من إثباته فإنه يتخلص من مسؤولية الضرر الناتج عن هذا الخطأ، ولا يجوز الرجوع عليه بأي شيء بشأن تلك الأضرار.
ثانياً: السبب الثاني: العيب الخفي بالسفينة
قرر المشرع الأردني هذا السبب من أسباب الإعفاء في نص ذات المادة رقم (213) من قانون التجارة البحرية، وتحديداً بالفقرة الثانية منها والتي نصت على أن (…… 2- عن العيوب الخفية التي في السفينة).
وهذا السبب من أسباب الإعفاء هو أمر منطقي ومبرر، لاسيما وأن المشرع قد نص في المادة رقم (212/1) من قانون التجارة البحرية على أن (الناقل ملزم قبل وعند بدء السفر: 1- بأن يعد السفينة إعداداً حسناً لتكون صالحة للملاحة)، وبالتالي فالناقل البحري يتحمل مسؤولية الأضرار التي تصيب البضائع المنقولة متى كان السبب فيها هو عدم صلاحية السفينة للملاحة، باعتبار أن التأكد من ذلك يقع على عاتقه كالتزام أساسي ناشئ عن عقد النقل، وبدون هذا الإعفاء سيكون الناقل متحملاً لمسؤولية الضرر الذي قد يكون سببه راجعاً إلى شخص آخر، كما هو الحال على سبيل المثال أن تكون عدم صلاحية السفينة للملاحة بسبب عيب في الصناعة من الشركة التي قامت ببناء السفينة، فيكون الناقل هنا هو الذي يفترض أن يقاضي شركة تصنيع السفن بالتعويض لا أن يتحمل هو الأضرار التي تسببت فيها بخطئها.
ويقع على عاتق الناقل البحري تبعة إثبات أن سبب عدم صلاحية السفينة للملاحة هو عيب من العيوب الخفية التي لم يكن له أن يتبينها، وأن علمه لم يكن متصلاً بهذا العيب[2]، ويعفى من المسؤولية متى استطاع إثبات ذلك.
ثالثاً: السبب الثالث: الحادث العرضي والقوى القاهرة
في نص المادة (213) من قانون التجارة البحرية وتحديداً بنص الفقرة الثالثة منها، نجد أن المشرع قد جعل من الحادث العرضي والقوة القاهرة أسباباً لإعفاء الناقل من مسؤوليته عن الضرر الحاصل للبضائع، وذلك متى كان هذا الضرر نتاجاً لهذا الحادث العرضي أو القوة القاهرة التي تتعرض لها البضائع أثناء رحلة النقل.
ولا يوجد اختلاف بين الحادث العرضي والقوة القاهرة، حيث عرف القضاء الأردني القوة القاهرة بأنها الحادث المفاجئ الذي يقع دون أن يكون للشخص أي يد أو تدخل في وقوعه وتحققه، ولا يمكن أن يتم توقعه أو دفعه، ومنها على سبيل المثال نشوب حرب، أو انفجار بركان، أو اندلاع حرائق ،أو قيام عاصفة شديدة[3]، والحادث المفاجئ لا يخرج عن كونه حادثاً عرضياً.
مع العلم بأنه إذا كان في إمكانية الناقل بعد وقوع الحادث الذي يمثل القوة القاهرة أن يستكمل رحلة النقل، فلا يتم الاعتداد هنا بالقوة القاهرة لإعفائه من المسؤولية، حيث إن العبرة ليس بوقوع الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة، ولكن العبرة هنا بمدى إمكانية إتمام رحلة النقل بعد وقوع هذا الحادث، فإذا استحال النقل بعد الحادث استحالة مطلقة يعفى الناقل من التزامه[4]، في حين أنه إذا ظل تنفيذ عملية النقل ممكناً يظل الناقل ملزماً بإتمامها، وإلا تحمل الضرر الناشئ عن الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة.
وبالتالي لا يعد حادث مفاجئ أو قوة قاهرة أن تتعرض السفينة أثناء رحلة النقل لعاصفة يتوقع قيامها في هذا الوقت، أو تعد من المظاهر البحرية المعتادة التي تعترض طرق النقل البحري في وقت ما أو في منطقة معينة، فهي جميعها لا تعد حوادث مفاجئة لا يمكن توقعها، وبالتالي تظل مسؤولية الناقل قائمة عما يحدث من ضرر للبضائع بسببها.
رابعاً: السبب الرابع: الإضرابات
جاء بنص الفقرة الثالثة من المادة رقم (213) من قانون التجارة البحرية الإضرابات وكافة ما يتسبب في غلق أبواب العمل أو يعترضه ويوقفه كلياً أو جزئياً أياً كان سبب وقف العمل كسبب من أسباب إعفاء الناقل البحري من مسؤوليته، حيث نص على أن (4- عن الإضراب أو ما يقابل به من إيصاد أبواب العمل أو ما يعترض العمل كلياً أو جزئياً أو أي سبب كان من وقف أو عائق).
وبالتالي فإن الناقل البحري يتمكن من التخلص من مسؤوليته عن أي هلاك يصيب البضائع المنقولة، ويكون السبب في حصوله هو إضراب العمال أو علق باب العمل أو تعطله أو توقفه لأي سبب كان، ولعل هذا النص يثير تساؤلاً على قدر كبير من الأهمية، ويتمثل في أنه وإن كان المشرع قد جعل الإضراب هو سبب للإعفاء، فأي إضراب يقصد المشرع هنا؟ هل هو الإضراب الذي يقوم به العاملين بالموانئ؟ أم يقصد به الإضراب الذي يقوم به العاملين لدى الناقل البحري؟
هذا التساؤل مردوده أن المشرع حينما نص على الإضراب وغلق أبواب العمل لم يخص بالذكر فئة العمال القائمين على هذا الإضراب، فقد جاء عاماً ليشمل العمال بوجه عام، وهو ما نجيب معه على هذا التساؤل بأن الإضراب المقصود هو كل إضراب يتم من قبل عمال عاملين سواء كانوا يعملون لدى الناقل البحري أم من عمال الموانئ أم غيرها من الجهات الأخرى، فالعبرة بحدوث الإضراب ذاته.
ويقع على عاتق الناقل البحري أيضاً تبعة إثبات الصلة بين الإضراب أو توقف العمل وبين الأضرار التي لحقت بالبضائع المنقولة، بحيث تكون الأضرار ناتجة عن الإضراب أو عن توقف العمل، سواء طالت مدة هذا الإضراب أو التوقف العمل أم قصرت، فيكون الإضراب متحققاً، حتى لو كانت مدته بضع ساعات[5]، فالعبرة بحدوثه وليس بمدة استمراره طالما كان له أثراً ضاراً على البضائع.
ويخرج عن إطار التوقف عن العمل الذي يؤخذ كسبب لإعفاء الناقل من مسؤوليته الحالة التي يكون فيها التوقف عن العمل قد تحقق، ولكن كنتيجة لاتفاق عليه تم بين العمال ورب العمل، حيث إنه لا يمثل في جوهره إضراب، لاسيما وأن الإضراب يتم ضد رب العمل، فلا مجال للحديث عن إضراب إذا كان رب العمل عالماً بأنه سيتم التوقف عن العمل، وموافقاً أيضاً على ذلك بالاتفاق مع العمال.
خامساً: السبب الخامس: العيب الخاص بالبضائع
العيب الخاص بالبضائع يشار به إلى الصفة المتعلقة بالطبيعة الداخلية للبضائع، والتي تكون سبباً في تلف أو هلاك البضائع بشكل ذاتي ودون أي تدخل من قبل الناقل، وقد جاء المشرع ليقرر ذلك العيب الخاص بالبضائع كسبب من ضمن الأسباب التي يعفى الناقل البحري بموجبها من مسؤوليته عن الأضرار التي تصيب البضائع، وذلك بالفقرة الخامسة من المادة رقم (213) تجارة بحرية والتي نصت على أن (5- عن عيب في البضاعة خاص أو عيب في حزمها أو تعليمها (تمريكها) أو عن النقصان أثناء السفر بقدر الحجم والوزن اللذين تجيزهما العادة في المرافئ المقصودة).
وبالتالي متى أهمل الشاحن في تمريك أو تعليم البضائع بوضع إشارات عليها يمكن من خلالها معرفة طبيعة البضائع وطريقة التعامل معها، فإن حدوث ضرر نتيجة لذلك لا يقع على عاتق الناقل البحري، بل يعفى من تلك المسؤولية تماماً.
وعلى سبيل المثال عندما تكون البضائع عبارة عن سوائل متطايرة قابلة للتبخر، أو لحوم، أو حبوب، أو غيرها من البضائع التي جرى العرف البحري على أنها ذات طبيعة تجعلها تقل في حجمها وتقل في وزنها مع مرور الوقت[6]، إلا أن المقصود هنا بالانخفاض في الحجم أو في الوزن هو الانخفاض المتعارف عليه الذي يرتبط بطبيعة البضائع ذاتها، فلا يعقل أن يكون انخفاض البضائع للنصف مثلاً هو انخفاض مقبول أو متعارف عليه، لذلك يكون الانخفاض المأخوذ به هو المتعارف عليه في شأن كل نوع من أنواع البضائع، ووفقاً للأعراف البحرية السائدة في كل ميناء، وبالتالي إذا كانت نسبة النقص من النسب المتعارف عليها لذلك النوع من البضائع، فإن الناقل البحري يعفى من المسؤولية عن ذلك القدر من الانخفاض في البضائع.
وكما هو معتاد فإن إثبات أن الضرر الذي أصاب البضائع يرجع لعيب ذاتي يرتبط بطبيعة البضائع المنقولة تقع تبعته على عاتق الناقل، بحيث أنه متى تمكن من إثبات العلاقة بين العيب الذاتي للبضائع والضرر الذي لحق بها، فإن مسؤوليته تنتفي عن تبعات هذا الضرر.
سادساً: السبب السادس: المساعدة والإسعاف البحري
نصت الفقرة السادسة من المادة رقم (213) تجارة بحرية على أن (6-عن القيام بمساعدة أو إسعاف بحري أو بمحاولة ترمي إلى ذلك أو إذا حدث أن تاهت سفينة وهي تقوم بهذا العمل، ولكن للشاحن في كل الحالات المستثناة أعلاه أن يثبت أن الخسائر أو الأضرار ناجمة عن خطأ الناقل أو أعماله إذا لم يستفد هؤلاء من الفقرة الأولى من هذه المادة).
وبالتالي فإن الناقل يعفى من مسؤوليته عن الضرر الذي يلحق بالبضائع، وذلك متى كان الضرر بسبب عملية مساعدة أو إسعاف بحري قدمتها السفينة لسفينة أخرى، سواء كانت عملية الإسعاف والمساعدة قد تمت بنجاح أم باءت بالفشل، فالعبرة بتقديم المساعدة وليس بتحقيق نتيجة، أو بسبب أن تكون السفينة قد ضلت طريقها أثناء تقديم هذه المساعدة.
وقد تكفل المشرع الأردني بتنظيم القواعد الحاكمة لعمليات الإسعاف والمساعدة البحرية، وذلك في نصوص المواد من (240) وحتى (257) من قانون التجارة البحرية، والتي تحدد متى تكون العملية التي قامت بها السفينة هي عملية إسعاف وإنقاذ من عدمه.
وبناء على هذا النص يتبين لنا أن مجرد حدوث عملية الإسعاف البحري أو المساعدة أو إذا تاهت السفينة أثناء قيامها بذلك يعد قرينة على إعفاء الناقل من المسؤولية، ولكنها لا تعد قرينة قاطعة، بل هي قرينة تقبل إثبات العكس، حيث إن المشرع منح الشاحن الحق في إثبات ما يخالفها، وذلك بإثبات أن الضرر الذي لحق بالبضائع ليس بسبب الإسعاف أو المساعدة، ولكنه يرجع إلى خطأ الناقل أو أحد تابعيه، فإذا تمكن من ذلك فإن مسؤولية تلك الأضرار التي لحقت بالبضائع تظل متعلقة بذمة الناقل البحري.
سابعاً: السبب السابع: التصريح الكاذب من الشاحن عن قيمة البضائع
نصت المادة (216) من قانون التجارة البحرية على أنه (إذا أعطى الشاحن تصريحاً كاذباً عن قيمة البضائع وهو على بينة من أمره فلا يتعرض الناقل لأية مسؤولية من جراء الخسائر والأضرار اللاحقة بهذه البضاعة).
ووفقاً لهذا النص القانوني فإن المشرع قد أعفى الناقل البحري عن تبعات ما يصيب البضائع المنقولة من ضرر أو تلف أو حتى هلاك، وذلك في الحالة التي يكون فيها الشاحن قد أخبره كذباً عن قيمة تخالف قيمة البضائع الحقيقية، وأن يكون الشاحن عالماً بكذب تصريحه الذي يدلي به إلى الناقل.
وبالتالي فإن الناقل يلزمه لكي يحصل على الإعفاء من المسؤولية أن يثبت أمرين:
- الأمر الأول هو أن التصريح الذي أدلى به الشاحن عن قيمة البضائع هو تصريح كاذب.
- الأمر الثاني هو أن يثبت الغش في حق الشاحن، وذلك عن طريق إثبات علمه بكذب تصريحه الخاص بقيمة البضائع.
ثامناً: السبب الثامن: شحن بضائع ملتهبة أو متفجرة دون علم الناقل
قرر المشرع سبباً آخر لإعفاء الناقل من مسؤوليته عن الأضرار التي تصيب البضائع، وذلك متى كانت البضائع المنقولة هي بضائع خطرة أو ملتهبة أو متفجرة، وكان نقلها على السفينة قد تم بدون اتصال علم الناقل أو موافقته على ذلك، حيث نصت المادة (217) من قانون التجارة البحرية الأردني على أن (إذا شحنت في السفينة بضائع من الأنواع الملتهبة أو المتفجرة أو الخطرة التي لم يكن الناقل أو وكيله ليرضيا بشحنها فيما لو كانا على بينة من نوعها فللناقل في كل وقت ومكان وبعد تنظيم محضر معلل أن ينزلها من السفينة أو أن يتلفها أو يزيل أذاها بدون أن يفسح عمله مجالاً لتعويض، وفيما عدا ذلك يسأل الشاحن عن الأضرار والمصاريف التي قد تنتج عن تحميل هذه البضائع).
ومن خلال ما ورد بنص المادة سالفة البيان يتضح لنا أن أساس إعفاء الناقل البحري من مسؤوليته عن هلاك أو تلف البضائع هو توافر الصفة الخطرة بها، وشحنها على السفينة دون علمه بحقيقتها، ومنحه الحق عند اكتشافه لذلك أن يقوم بتحرير محضر مسبب، يثبت به إتلافه لتلك البضائع خشية من خطرها على باقي البضائع الأخرى، بل وخطرها على السفينة ومن عليها من أشخاص.
وقد اشترط المشرع حتى يحظى الناقل بهذا الإعفاء من المسؤولية ألا يكون على علم بأن تلك البضائع التي يتم نقلها ذات طبيعة خطرة، لأن الناقل متى كان على علم بأن البضائع التي سينقلها هي بضائع ذات طبيعة خطرة ووافق على نقلها، فإنه يتحمل مسؤولية ما يصيبها من أضرار خلال الرحلة البحرية، إلا أن ذلك لا يمنع من حقه في أن يتخلص منها بإتلافها أو إزالة أذاها، إلا أن المشرع قد رهن أحقيته تلك بأن تشكل تلك البضائع خطورة حقيقية وفعلية على السفينة أو ما تحمله من بضائع، ففي تلك الحالة يحق له إتلافها[7]، وهو ما يختلف عن الحالة التي لا يكون الناقل على علم بأن البضائع ذات طبيعة خطرة، حيث أتاح له القانون الحق في إتلافها خشية أن تمثل خطورة على السفينة أو ما تحمله من بضائع أخرى، حيث اكتفى هنا بالخشية من خطورتها وليس بدنو تحقق خطورتها الفعلية والحقيقية على أرض الواقع.
تاسعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 78 لسنة 1963، والصادر بجلسة 24/3/1963 والمتضمن أن (إغلاق الحدود بين الأردن وسوريا لا يمكن الاحتجاج به كقوة قاهرة يخلي المميز من المسؤولية التعاقدية بتقديم حاجيات للجيش التزم بتقديمها، فيشترط في الحادث ليكون قوة قاهرة: أ- أن يكون غير متوقع الحصول. ب- أن يكون غير ممكن الدفع. ج- أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً. د- ألا يكون هناك خطأ في جانب المدين).
2- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1321 لسنة 1992، والصادر بجلسة 9/3/1993 والمتضمن أن (عقد النقل البحري هو التزام بتحقيق غاية، ويكفي لإثبات مسؤولية الناقل مجرد إثبات البضاعة أثناء تنفيذ عقد النقل، حتى لو كانت البضاعة من الأنواع الخطرة إذا كان على بينة من أمرها ورضي بتحميلها، ولا يملك الناقل تنزيل البضاعة أو نقلها أو إزالة أذاها ما لم تكن سببا لتعرض الباخرة أو حمولتها للخطر، وعليه فإن تنزيل البضاعة من الباخرة لا يجعل الناقل مسؤولا عن أي تعويض إذا اثبت تحقق الخطر).
3- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 576 لسنة 2002، والصادر بجلسة 8/4/2002 والمتضمن أن (الناقل يضمن مبدئياً كل الأضرار التي تلحق بالبضاعة أثناء النقل البحري، وإن على الناقل لكي يعفى من المسؤولية إثبات أن الضرر الذي أصاب البضائع ناتج عن أحد الأسباب التي عددتها المادة (213) ومن بينها حالة النقصان المألوف في البضاعة أثناء النقل البحري حجماً أو وزناً والناشئ عن طبيعة البضاعة التي تخف مع الزمن كاللحوم والحبوب أو تتبخر كالسوائل فقد أجازته الأعراف البحرية …).
عاشراً: الخاتمة
على الرغم من موافقتنا للمشرع الأردني على أن هناك بعض الحالات التي تستلزم فيها العدالة أن يتم إعفاء الناقل البحري من مسؤوليته عن تضرر البضائع المنقولة، والتي منها على سبيل المثال القوة القاهرة والسبب الأجنبي، إلا أننا نرى أن بعضها قد أصبح خليقاً بالإلغاء، لاسيما وأن هذا البعض قد أصبح لا يتماشى مع طبيعة التجارة البحرية والنقل البحري، والتزامات الناقل التي يلقيها على عاتقه عقد النقل البحري ويسانده فيها القانون، كما هو الحال في الإعفاء لعيب خفي بالسفينة، حيث أن القانون يلزم الناقل بتقديم سفينة تصلح للملاحة البحرية، وإن كان الضرر ناتج عن عيب خفي فإن هذا الأمر يخص العلاقة بين الناقل البحري والبائع الذي باع له السفينة، ولا علاقة لصاحب البضائع سواء كان الشاحن أو المستلم بهذا العيب، وإلا فإنه سيكون متحملاً لخطأ غيره، وكما هو الحال في التكرار في إيراد الإضراب كسبب منفصل على الرغم من دخوله في عداد القوة القاهرة، وهو ما يستدعي من المشرع الأردني إعادة النظر في حالات إعفاء الناقل البحري من المسؤولية، وذلك في ضوء التزامات الناقل التي يفرضها عليه القانون، وفي ضوء ظروف وطبيعة النقل البحري في عصرنا الحالي.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – فياض القضاة – أحكام مسؤولية الناقل البحري: دراسة مقارنة بين قانون التجارة البحرية الأردني واتفاقية هامبورج – مجلة دراسات – مج 26 – ع (1) – ص 227.
[2] – محمود عبابنة – أحكام عقد النقل – دار الثقافة للنشر – الأردن – 2015 – ص106.
[3] – يراجع البند تاسعاً من هذا المقال – الحكم رقم (1).
[4] – محمود كمال حمدي – مسؤولية الناقل البحري للبضائع في قانون التجارة البحرية رقم 8 لسنة 1990: دراسة مقارنة مع اتفاقية هامبورج – منشأة المعارف – مصر – 1990 – ص99.
[5] – محمود عبابنة – المرجع السابق – ص110.
[6] – يراجع البند تاسعاً من هذا المقال – الحكم رقم (3).
[7] – يراجع البند تاسعاً من هذا المقال – الحكم رقم (2).

