التزامات المشغل الخاصة نحو البحارة
يضم مجال التجارة البحرية بوجه عام ومجال النقل البحري بوجه خاص العديد من أشخاص الملاحة البحرية، والتي تقوم المعاملات التجارية فيما بينهم، وتبنى عليهم الالتزامات والواجبات والحقوق الخاصة بالعقود التي تبرم في هذا المجال، ولعل أحد أهم هؤلاء الأشخاص هم البحارة، لاسيما وأنهم هم الأساس الذي تقوم عليه الرحلة البحرية، وبدون البحارة لا يمكن للسفينة أن تقوم برحلاتها التجارية، فهم من يواجهوا الظروف الصعبة للملاحة في البحار، والتي تعرضهم للعديد من المخاطر.
ويعتبر إبرام عقد العمل البحري مع البحارة من أحد المهام والاختصاصات التي يناط بها مشغل السفينة، والذي يقع على عاتقه التزامات خاصة بالبحارة، يلزمه القانون بأن يؤديها إليهم، بجانب حقهم الأساسي والرئيسي في أجرهم المتفق عليه في عقد العمل البحري، لذلك فقد ارتأينا أن نتعرض في مقالنا هذا إلى الالتزامات التي تقع على عاتق مشغل السفينة نحو بحارتها، وذلك في ظل قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 وتعديلاته.
ثانياً: الالتزام الرئيسي على المشغل بسداد أجرة البحارة
ثالثاً: التزامات المشغل الأخرى نحو البحارة
رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
أولاً: البحار ومشغل السفينة
قبل أن نتناول التزامات المشغل نحو بحارة السفينة، وهذه الالتزامات تعد من صميم علاقة العمل التي تربط بين هذين الطرفين، يجب علينا في البداية أن نتعرف بصورة أكثر وضوحاً لكل طرف منهما، وهو ما سنتناوله تباعاً في النقاط التالية.
1- التعريف بالبحار
لم يترك المشرع الأردني تعريف البحار للاجتهادات الفقهية والقضائية، بل كان حريصاً من البداية على وضع تعريف واضح للبحار، ولكنه عرفه تحت مسمى “الملاح”، على الرغم من تناوله له في مواضع أخرى من قانون التجارة البحرية تحت مسمى البحار، وهو تداخل شائع يقع دائماً بين هذين اللفظين، لكونهما يعطيان ذات المدلول، وبالتالي متى تعرضنا للفظ الملاح خلال المقال سيكون المقصود منه هو البحار.
وبالرجوع لتعريف المشرع الأردني للبحار “الملاح” في قانون التجارة البحرية، سنجد أن هذا التعريف قد ورد في نص المادة رقم (131) منه، وتضمن أن (الملاح هو كل شخص استخدم على متن السفينة للقيام برحلة بحرية).
وبالتالي فإن وصف البحار ينطبق على أي شخص تم التعاقد معه للعمل على متن السفينة، مما يخرج من تحت عباءة وصف البحار بعض من يمارسون عملهم على متن السفينة، كالضباط والمهندسين البحريين الإداريين، وذلك لكونهم من أصحاب المؤهل العلمي فقط، وعلى الجانب الآخر يعتبر من البحارة جميع العاملين على السفينة، سواء من العاملين بالملاحة البحرية وتسيير السفينة، وعاملي النظافة، والطهاة، ومقدمي الطعام، وغيرهم ممن يرتبط بعقد عمل بحري مع مشغل السفينة[1].
2- التعريف بالمشغل
يعتبر مشغل السفينة – كما عرفه بعض مشرعي القوانين العربية بهذا المسمى – هو الشخص القائم على تشغيل السفينة واستثمارها، فقد يكون هو مجهزها مالكها، أو مستأجرها، أو مجهزها، أو موكل من قبل الملاك لإدارتها، فهو بوجه عام القائم على تشغيل السفينة وإدارتها، وهو ما أدى إلى تسميته بالمشغل.
وإن كان قانون التجارة البحرية الأردني قد خلا من مسمى مشغل السفينة، إلا أنه قد أورده بمسمى آخر وهو مسمى “مجهز السفينة”، ولكنه لم يتعرض بتعريف صريح للمجهز، وهو ما يثير تساؤلاً هاماً قوامه من هو مجهز السفينة؟
عرف المجهز في بعض القوانين العربية بأنه (من يقوم باستغلال السفينة لحسابه بوصفه مالكاً أو مستأجراً لها)[2]، كما عرف أيضاً بأنه (الشخص الذي يشغل السفينة لحسابه بوصفه مالكاً، أو مستأجراً، أو مديراً للشيوع …..)[3]، وغيرها من التعريفات التي لم تختلف فيما بينها على حقيقة كنه المجهز.
أما المشرع الأردني فلم يضع تعريفاً صريحاً ومحدداً لمجهز السفينة، إلا أننا يمكننا التعرف عليه من سياق بعض نصوص ومواد القانون، كما هو الحال في نص المادة (62) من قانون التجارة البحرية الأردني والتي نصت على أنه (تطبق الأحكام السابقة على السفن التي يستثمرها مجهز لا يملكها أو مستأجر رئيسي ….)، والتي يمكننا أن نتبين منها أن مجهز السفينة قد يكون مالك لها، كما قد يكون مستأجر لها، فصفة المجهز تثبت للقائم على تشغيل واستثمار السفينة بغض النظر عن ملكيته لها من عدمه، فالمجهز إذاً هو مستثمر السفينة الذي يقوم بتجهيزها لاستغلالها لحساب نفسه، سواء كان مالكاً أو مستأجراً لها، وهو ما يتفق مع مضمون التعريفات التي وضعت للمجهز والمشغل في القوانين والتشريعات البحرية العربية.
فالمجهز إذاً هو من يقوم بتجهيز السفينة للملاحة البحرية ولتصبح جاهزة لاستثمارها، ويقوم في سبيل ذلك بالعديد من التجهيزات، والتي منها على سبيل المثال وليس الحصر تزويد السفينة بالوقود اللازم للإبحار، ويتعاقد مع الناقل والمؤمن وغيرهم ممن يلزم التعاقد معهم لتجهيز السفينة، ومن ضمن هذه التجهيزات – وإن لم يكن أهمها – هو إبرام عقود العمل مع البحارة الذين يعملون على السفينة، سواء تم التعاقد مباشرة من قبله، أو عن طريق تمثيله في شخص الربان، والذي يعد هو الآخر من قبيل البحارة، ويتم التعاقد معه من قبل المجهز.
وقد يكون المجهز هو من يقوم بتجهيز السفينة ثم لا يقوم باستثمارها، ولكنه يؤجرها إلى الغير متضمنة ما بها من تجهيزات، ويقوم هذا الغير باعتباره المستأجر باستثمار السفينة، وهو ما يسمى بعقد إيجار السفينة المجهزة[4].
ثانياً: الالتزام الرئيسي على المشغل بسداد أجرة البحارة
يعد التزام المشغل قبل البحارة بأداء أجورهم المتفق عليها هو الالتزام الجوهري والرئيسي الذي يقع على عاتق المشغل ويرتبه عقد العمل البحري المبرم فيما بينهما[5]، ولا يقتصر هذا الالتزام على سداد الأجرة وفقاً للقيمة المتفق عليها فقط، ولكن في المواعيد المتفق عليها أيضاً، بغض النظر عن المدة المحددة للأجر، سواء كان محدداً بشكل يومي أو أسبوعي أو شهري، أو حتى كان مقدراً بنسبة من قيمة الأجرة المحددة للسفينة، أو بنسبة من الربح الذي تحققه من نشاطها.
ونلاحظ أن هناك اختلاف بين التشريعات العربية حول أسس تحديد أجر البحارة، وقوام هذا الاختلاف هو اتجاهين:
الاتجاه الأول: هو الاتجاه الذي أخذ بمبدأ تحديد حد أدنى لا يجب أن يقل عنه الأجر الذي يتقاضاه البحر لقاء عمله على السفينة، وقد اتخذ أصحاب هذا الاتجاه سنداً لهم في ذلك أن البحار باعتباره في منزلة العامل لدى صاحب العمل يعد هو الطرف الضعيف، وبالتالي كان يلزم حمايته بوضع حد أدنى لأجره لا يجوز الاتفاق على تحديد أجر يقل عنه قيمة، ومن أهم الأمثلة على ذلك القانون البحري المصري.
الاتجاه الثاني: وهو الاتجاه الذي أخذ به المشرع الأردني في قانون التجارة البحرية، والمتمثل في عدم تحديد أي حدود للأجر، حيث تركت التشريعات التي أخذت بهذا الاتجاه تحديد قيمته أياً كانت للاتفاق المبرم بين المجهز والبحار، وذلك استناداً إلى أن ما يحكم العلاقة بينهما هو إرادتهما الحرة التي التقت على إبرام العقد والموافقة على ما يتضمنه من التزامات وحقوق، وبالتالي يكون تحديد مضمونه – ويشمل ذلك تحديد قيمة الأجر – قائماً على حرية إرادة المتعاقدين.
ويلتزم المشغل أيضاً بتعويض البحارة عن امتداد الرحلة البحرية أو اختصارها، وإن كان ذلك التعويض يختلف باختلاف طريقة تحديد أجر البحارة، وقد عالج المشرع الأردني الآثار التي يحدثها تمديد أو اختصار الرحلة البحرية بسبب التغير في ظروف الرحلة البحرية على أجر العامل، وذلك حماية لأجر العامل وضمانة له في الحصول على حقه كاملاً في الأجر العادل، وذلك على النحو التالي:
- متى كان أجر البحار – كله أو جزء منه – عبارة عن نسبة من أجرة السفينة أو ما تحققه من ربح نتيجة لنشاطها، فإن ما تحصل عليه السفينة من تعويضات تنشأ نتيجة لفسخ الرحلة، أو امتدادها، أو اختصارها، فهذه التعويضات تدخل في الربح الذي يحصل البحار على نسبته المحددة كأجر منه، وذلك طبقاً لنص المادة (138) تجارة بحرية.
-
متى كان أجر البحار هو أجر شهري يتحصل عليه مشاهرة، فإنه في حالة تمديد أو اختصار الرحلة البحرية يكون أجر البحار مقدراً بالمدة الفعلية التي قام فيها بالعمل في خدمة المشغل، وعلى سبيل المثال لذلك إذا كان البحار قد عمل لدى المشغل في رحلة بحرية ما، وامتدت تلك الرحلة أسبوعاً زائداً عن مدتها الأصلية، فيحصل البحار هنا على ربع أجرته الشهرية لقاء هذا الأسبوع، وإن تم اختصار الرحلة لتتم في ثلاثة أسابيع بدلاً من شهر، فإن البحار هنا يتقاضى ثلاثة أرباع أجرته الشهرية، وهكذا طبقاً لما جاء بالمادة (139) تجارة بحرية.
-
إذا كانت أجرة البحار محددة بالرحلة، فإن اختصار مدة هذه الرحلة إلى مدة أقل من مدتها المحددة سلفاً لا ينتج عنه أي خصم أو انتقاص من أجره المتفق عليه، أما إذا كانت الرحلة البحرية قد تم تمديدها لمدة أطول من المدة المحددة لها، أو تم تأجيلها بشكل عمدي ومقصود، فإن أجر البحار يزيد بنسبة توازي المدة التي زادت على الرحلة أو تم تأجيلها خلالها، وذلك طبقاً للمادة (140) تجارة بحرية.
ثالثاً: التزامات المشغل الأخرى نحو البحارة
هناك بعض الالتزامات الأخرى التي يلتزم المشغل بها تجاه بحارة السفينة، وهذه الالتزامات منها ما نص عليه القانون، ومنها ما تفرضه الأعراف البحرية المستقرة في مجال الملاحة البحرية، وحتى نتمكن من تقسيم هذه الالتزامات، فسوف نورها في صورة التزامات نحو البحارة حال حياتهم، والتزامات نحو ورثة البحارة بعد وفاتهم.
1- التزامات المشغل نحو البحارة حال حياتهم
يفرض عقد العمل البحري – بما له من طبيعة خاصة – على المشغل مجموعة من الالتزامات التي يقع على عاتقه تنفيذها والالتزام بها، سواء وردت بعقد العمل البحري المبرم بينه وبين البحارة، أو حتى لم يرد ذكرها بهذا العقد، وسوف نتعرض تباعاً إلى تلك الالتزامات في النقاط الآتي بيانها.
أ- التزام المشغل بإطعام وإيواء البحارة
نظراً للطبيعة الخاصة التي يتسم بها عقد العمل البحري، والذي يقتضي من البحارة ترك منازلهم والإقامة في عرض البحر طوال مدة رحلتهم البحرية مع المشغل، وهذه الرحلة التي قد تطول مدتها لتصبح أسابيع أو أشهر، وهو ما يلقي التزاماً على عاتق المشغل – المجهز – نحو بحارته يتمثل في توفير وسائل التسكين والإقامة والإطعام لهؤلاء البحارة على متن السفينة، حتى يستطيعون تنفيذ التزامات ومهام عملهم بالصورة المتفق عليها.
فبداية يلتزم المشغل بأن يطعم البحارة على السفينة خلال الرحلة البحرية، وذلك بمصاريف يتحملها وحده، فلا يحق له مطالبة البحارة بأي مقابل لهذه الأطعمة، وليس له أن يخصم من مستحقاتهم لديه نظير ما يقدمه لهم من طعام[6]، وهذا الالتزام يقع على عاتق المشغل تنفيذه بشكل عيني وليس نقدي، أي أنه يلزم على المشغل تقديم الوجبات الغذائية اليومية للبحارة، ولا يجوز أن يعوضهم عنها بشكل نقدي بأن يمنحهم نقوداً بدلاً من الطعام، حيث أن الغرض والهدف الرئيسي من تحميل المشغل بهذا الالتزام هو ضمان حفاظ البحارة على صحتهم وقوتهم لأداء الأعمال المنوط بهم تأديتها على السفينة، وهو ما لن يتحقق بأي حال من الأحوال إذا اختار البحار أن يحصل على قيمة وجبته الغذائية نقوداً.
وبالتالي يكون على المشغل ليس فقط توفير الطعام للبحارة، ولكن يجب أن يكون هذا الطعام صحياًن وأن يكون الكم المقدم لكل بحار يمثل قدراً مناسباً وكافياً للجهد الذي يبذله البحار في عمله من جهة، ومن جهة أخرى يتناسب مع طبيعة وظروف الرحلة البحرية التي تخوضها السفينة
وعلى جانب آخر يلتزم المشغل بتوفير أماكن إقامة ومبيت للبحارة على السفينة التي يعملون عليها، لاسيما وأن طبيعة الرحلات البحرية تقتضي أيام وأسابيع وقد تصل في بعض الأحيان إلى شهور يظل فيها البحار على متن السفينة، وبالتالي يلزم أن يتم توفير مكان مبيت ومعيشة مناسب للبحارة ليتمكنوا من الحصول على قدر من الراحة والنوم فيه، وأن يكون هذا المكان مجهز بشكل يتناسب مع الغرض المستهدف منه.
علاوة على ذلك فإن المشغل يلتزم بتوفير ملحقات صحية – كالحمامات لقضاء الحاجة والاستحمام وغيرها – ووسائل معيشة تمكن البحارة من مواجهة الظروف الجوية المختلفة، كتوفير وسائل يستطيع البحارة من خلالها الحصول على قدر من التدفئة التي تقيهم ظروف البرودة التي تحيط بالرحلة البحرية، وتوفير القدر الكافي من الإضاءة في هذه الأماكن، والاهتمام بسائر الإعدادات والتجهيزات التي يلزم توافرها لتصبح الأماكن المعدة لراحة البحارة مهيأة لإقامتهم.
ويصدق على إيواء البحارة ما يصدق على طعامهم، فلا يحق للمشغل أن يعوض البحارة ببدل نقدي عن مبيتهم وإيوائهم بالسفينة، لكونه التزام لا يمكن تأديته إلا في صورة عينية، حيث لا يتصور حصول البحارة على بدل لإقامتهم على السفينة، فإن حدث فأين سيذهب البحارة لقضاء ليلتهم في عرض البحر؟
ب- التزام المشغل بتقديم العلاج للبحارة
ينقسم التزام المشغل بعلاج البحارة إلى شقين:
الشق الأول: هو ما نصت عليه المادة (147) من قانون التجارة البحرية من أنه (لا يمكن استخدام أي ملاح إلا بعد إخضاعه لمعاينة طبية يقوم بها طبيب تنتدبه دائرة الميناء …)، فالمشغل في هذا الشق يكون ملتزماً بعدم استخدام البحارة إلا بعد التيقن من عدم إصابتهم بأي أمراض يمكن أن تتفاقم خلال عملهم بالسفينة، وهذا الالتزام يبدأ قبل التحاق البحارة بالعمل على السفينة، وهو بمثابة التزام ذو هدف وقائي يحول دون إصابة البحارة بأضرار نتيجة تفاقم إصابتهم بالمرض أثناء الرحلة البحرية، كما أنه أيضاً يحول دون فقد السفينة لجهود أحد أفراد طاقمها بسبب المرض، مما قد يؤثر على قدرة السفينة على استكمال رحلتها بأمان.
الشق الثاني: هوالتزام المشغل بمعالجة البحارة ممن قد يصابون بأي أمراض أو إصابات تقع لهم خلال تواجدهم على السفينة، وذلك في ظل مجموعة من الضوابط التي تحكم هذا الالتزام وتنظمه، والتي تتمثل في:
- يلتزم المشغل بموجب نص المادة (148) تجارة بحرية بعلاج البحارة الذين يصابون بإصابات أو جروح أثناء قيامهم بعملهم على السفينة، وتتحمل السفينة مصروفات ونفقات هذا العلاج، ولكن القانون قد أعفى المجهز من نفقات هذا العلاج متى كان الجرح أو الإصابة قد نشأ كنتيجة عصيان شارك فيه البحار، أو أن يكون مرجع الإصابة لارتكابه خطأ مقصود قد يرجع إلى شربه للخمر وإصابته بالسكر، أو أن يكون سببها هو مرض وراثي، ولكن حرصاً من المشرع على البحارة فقد ألزم المشغل – المجهز – بأن يقوم بتقديم سلفة للبحار ليتمكن من الحصول على علاج لإصابته أو مرضه، على أن يقوم المشغل بخصم قيمة تلك السلفة من مستحقات البحار لديه.
أعفى المشرع في نص المادة (149) تجارة بحرية المشغل من نفقات العلاج للبحارة، وذلك في الحالة التي يصبح فيها العلاج غير ذي جدوى في معالجة الإصابة أو المرض، أي بعد أن يصبح الجرح أو المرض غير قابل للشفاء، وذلك لأن نفقات العلاج أصبحت خالية من مضمونها ومغزاها.
قرر المشرع أحقية البحار المريض أو الجريح بسبب مرض أو جرح أصابه خلال خدمته على السفينة في الحصول على أجره المستحق له طوال فترة تواجده على السفينة، كما قرر المشرع أيضا – بنص المادة (150) تجارة بحرية – التزاماً على المشغل بأن يمنح هذا البحار بعد انتهاء الرحلة البحرية ووصول السفينة إلى اليابسة عطاء يقدر حده الأقصى بأجر البحار لمدة أربعة أشهر، هذا إذا كانت تلك اليابسة هي أرض الوطن للبحار، أما إذا كانت يابسة تعود لدولة أجنبية فإن المشغل يلتزم بأن يودع مبلغ يعادل قيمة أجر البحار لمدة أربعة أشهر لدى القنصل الأردني في تلك البلد الأجنبية أو من يمثله.
ج- التزام المشغل برد البحارة إلى وطنهم
يطلق الكثير من العاملين بالملاحة البحرية على هذا الالتزام مسمى الالتزام بالترحيل، وفحوى هذا الالتزام هو أن مشغل السفينة يلتزم بأن يعيد البحارة الذين يعملون على السفينة إلى أرض وطنهم، والمقصود بأرض الوطن هنا ليس الوطن الذي يحمل البحارة جنسيته، ولكن يقصد به الميناء الذي تم التعاقد معه فيه، أو الميناء الذي اتفق البحار مع المشغل أنه ميناء العودة بالنسبة إليه.
إلا أن المشرع في سياق نص المادة (155) من قانون التجارة البحرية الأردني قد أورد ثلاث حالات يرفع فيها عن كاهل المشغل التزامه برد البحارة إلى وطنهم، وتتمثل هذه الحالات في الحالات الآتي بيانها:
- أن يكون إنزال البحار من على متن السفينة خلال الرحلة بناء على أوامر تصدرها سلطة في دولة أجنبية، وتطلب بموجبها إنزال بحار معين من على متن السفينة، كما هو الحال عند صدور قرار من سلطات دولة أجنبية بإنزال بحار من على السفينة لكونه قد ارتكب جريمة في أراضيها.
أن يكون البحار قد أصيب بجرح أو مرض لا علاقة له بعمله على السفينة، وتكون هناك صعوبة في علاجه على ظهر السفينة.
أن يكون البحار قد توصل إلى اتفاق بالتراضي مع المشغل على إنهاء علاقة العمل، ونتج عن ذلك الاتفاق فسخ عقد العمل البحري المبرم بينهما ودياً.
ففي هذه الحالات لا تلزم المشغل مصروفات ونفقات عودة البحار إلى وطنه.
2- التزامات المشغل نحو ورثة البحارة بعد وفاتهم
حدد المشرع الأردني في قانون التجارة البحرية بعض الالتزامات التي تثقل كاهل المشغل تجاه بحارة السفينة حتى بعد وفاتهم، وسوف نوضح هذه الالتزامات بشكل موجز في النقاط التالية:
- متى توفي البحار وهو في عمله على السفينة، وكان ذلك نتيجة مرض أو جرح قد أصيب به أثناء عمله، فإن مشغل السفينة يتحمل كافة المصروفات والنفقات الخاصة بدفن هذا البحار.
متى توفي البحار خلال سريان عقد العمل المبرم بقينه وبين مشغل السفينة، فإن المشغل يكون ملتزماً نحو ورثة البحار بأن يؤدي إليهم أجره وفقاً لمدة استحقاق مورثهم له على النحو التالي:
- إذا كان البحار المتوفي ممن يتقاضون أجورهم مشاهرة، فيلتزم المشغل بأن يؤدي إلى ورثته أجرته عن كامل الشهر الذي توفي فيه العامل، فإذا توفي العامل بعد مرور بضعة أيام عمل في الشهر الجديد، فإن ورثته يستحقون أجرته الشهرية كاملة عن هذا الشهر.
- إذا كان البحار المتوفي ممن يتقاضون أجورهم بالرحلة، وكان الاتفاق على استخدامه للذهاب فقط، وكان أجره نسبة من أجرة السفينة أو الربح الذي تحققه أو مبلغ جزافي من المال، فإن أجرته تستحق كاملة لورثته متى كان البحار قد توفي بعد أن بدأت السفينة رحلتها، أما إذا كان الاتفاق على استخدامه لرحلتي الذهاب والعودة، وتوفي البحار في رحلة العودة، فإن المشغل يلتزم عندئذ بأن يسدد لورثته أجرته كاملة عن رحلة الذهاب، بالإضافة إلى نصف أجرته عن رحلة العودة.
- متى كان البحار قد تم استشهاده خلال دفاعه عن السفينة، فإن مشغل السفينة يصبح ملتزماً بأن يؤدي إلى ورثته مكافأة توازي أجره عن ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى ما يقرره قانون التجارة البحرية وسائر قوانين العمل من تعويضات ومكافآت أخرى.
رابعاً: نماذج من أحكام القضاء الأردني ذات العلاقة
1- حكم محكمة التمييز الأردنية بصفتها الحقوقية رقم 1288 لسنة 2013، والصادر بجلسة 18/7/2013 والمتضمن أن (عقد إيجار السفينة غير مجهزة هو عقد يؤجر فيه المالك سفينته بهيكلها فقط، وعقد إيجار السفينة مجهزة هو عقد تؤجر فيه السفينة بموظفيها وربانها وبحارتها ويتولى المستأجر استثمارها بدلاً من المؤجر، أي أن عقود إيجار السفن ذات طبيعة خاصة تختلف في جوهرها عن العقود المعروفة في القانون المدني لأن عقد إجارة السفن ينصب على السفينة وخدمة طاقمها في عقود تأجير السفن مجهزة وعلى السفينة وحدها في عقود تأجيرها غير مجهزة فهي ليست عقود إيجار أعيان فقط ولا عقود إيجار خدمة فقط).
سادساً: الخاتمة
إن تنظيم المشرع الأردني في قانون التجارة البحرية الأردني لالتزامات المشغل – المجهز – نحو بحارة السفينة قد جاء بشكل وافي وفقاً لما أوضحنا في هذا المقال، إلا أن أهم ما ينقص هذا التنظيم هو وضع تعريف واضح يستدل منه على شخص المجهز، لاسيما وأن الوقوف على تعريف المجهز يقتضي جمع عدة مواد قانونية معاً لاستخلاص تعريفه، مما يستلزم تخصيص تعريف للمجهز في القانون، وذلك على خطى العديد من التشريعات العربية التي خصصت تعريف محدد وواضح لشخص المجهز.
كتابة: أحمد عبد السلام
[1] – وليد عبد العاطي – أحكام عقد العمل البحري في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي: دراسة مقارنة – رسالة ماجستير غير منشورة – جامعة أم درمان الإسلامية – السودان – 2008 – ص54.
[2] – المرسوم بقانون رقم 28 لسنة 1980 وتعديلاته بشأن قانون التجارة البحرية الكويتي – المادة رقم (88).
[3] – المرسوم الملكي رقم (م/33) لسنة 1440 هـ بشأن النظام البحري التجاري السعودي – المادة رقم (1/10).
[4] – يراجع البند خامساً من هذا المقال – الحكم رقم (1).
[5] – محمود سمير الشرقاوي – القانون البحري – دار النهضة العربية – مصر – 2011 – ص279.
[6] – عادلي أمير – القانون البحري – منشأة المعارف – مصر – 2002 – ص136.

