مسؤولية الصيدلي المدنية

مسؤولية الصيدلي المدنية

تعتبر مهنة الصيدلة من المهن شديدة الخصوصية نظرا لطبيعة الخدمة التي يقدمها الصيدلي للجمهور وهي توفير الدواء المناسب والصالح للاستعمال، وكذلك صرف الأدوية التي يصفها الطبيب المعالج للمريض، وأيضا تحضير التركيبات الدوائية، إلى جانب تفهيم الجمهور كيفية ومواعيد وجرعة أخذ هذا الدواء،  وهي بذلك مهنة مهمة و خطيرة تحتاج الى المتخصصين في هذا العلم المجازين بالعمل فيه من قبل الدولة حتى يكون أدائهم لمهنتهم متفقا مع الأصول العلمية ومحققا الغاية منها وهي التخفيف على المرضى ، وإزاء ذلك فإن قيام الصيدلي بأي خطأ مهني ينبئ عن رعونته أو إهماله أو عمده يستوجب مسائلته مدنيا عن ذلك الخطأ، وتعرف المسؤولية المدنية  على أنها ما يقع على الشخص من التزام بتعويض الضرر الذي سببه للغير نتيجة إخلاله بالتزام يقع عليه. [1]

  • وترتيبا على ذلك سوف نتطرق خلال هذا المقال الى مسؤولية الصيدلي المدنية في لتشريع الأردني على التفصيل الآتي:

أولا: تعريف الصيدلي

ثانيا: الطبيعة القانونية لالتزام الصيدلي

ثالثا: الطبيعة القانونية للمسئولية المدنية للصيدلي

رابعا: أركان مسئولية الصيدلي مسئولية مدنية

خامسا : الأثر المترتب على مسئولية الصيدلي مسئولية مدنية

سادسا : بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق ابلمسئولية المدنية

سابعا: الخاتمة

 

أولا: تعريف الصيدلي

في الواقع يلزم لتعريف المقصود بالصيدلي والمسئولية المترتبة عليه جراء أخطائه المهنية  أن نوضح في البداية مفهوم العمل الصيدلي، حيث عرف البعض مهنة الصيدلة على أنه ا  من المهن العلمية التي تهتم بكيفية تحضير الأدوية وصناعتها كما تهتم بدراسة مفردات الأدوية سواء المصنعة من الحيوانات أو النباتات أو المصنعة من تركيبات كيميائية كما تهتم بمعرفة شوائب تلك الأدوية وصفاتها والخصائص المتوفرة فيها، و كيفية الحصول عليها والطريقة المثلى لتعاطيها وأيضا عملية تجهيزيها في الصورة التي تسهل على المريض تناولها فيها سواء في شكل مشروب أو في أقراص وغيرها من صور للدواء.[2]

  • كما عرف المشرع الأردني الصيدلي في المادة (2) من قانون الدواء والصيدلة وتعديلاته بأنه: (الشخص الحاصل على شهادة صيدلة من جامعة معترف بها في المملكة والمسجل في سجل الصيادلة لدى النقابة والمرخص له بمزاولة المهنة من الوزارة).
  • ويعرف الصيدلي في الفقه القانوني على أنه 🙁 كل شخص ثبت أنه مؤهل علميا وفنيا للقيام بالعمل الصيدلي بجميع جوانبه وتشعباته سواء فيما يتعلق بتجهيز الدواء أو تخزينه وكذلك صرف الأدوية وشرح تعليمات أخذ الدواء للمرضى). [3]

  • وترتيبا على ذلك فإن الصيدلي يشترط فيه علمه بالدواء وتركيبه ودوره في علاج  المريض والأثار الجانبية له، وهو أمر لا يتأتى إلا بحصول الصيدلي على الدرجة العلمية اللازمة لذلك وهي شهادة الصيدلة، لذا حرص المشرع الأردني على اشتراط ذلك الشرط صراحة كما ورد في المادة( 2 ) من قانون الدواء والصيدلة السابق ذكرها،  ويلاحظ أيضا أن المشرع لم يكتفي باشتراط حصول الصيدلي على الشهادة الجامعية في الصيدلة لممارسة هذه المهنة، بل اشترط أيضا أن تكون هذه الشهادة معترف بها داخل المملكة وأن يكون الصيدلي مسجلا لدى نقابته ومرخص له من قبل الوزارة بممارسة مهنة الصيدلة.

ثانيا: الطبيعة القانونية لالتزام الصيدلي

تكمن أهمية تحديد الطبيعة القانونية لالتزام الصيدلي هو الوقوف على ما إذا كان التزامه هو التزام بتحقيق غاية أو نتيجة معينة، وهو ما يترتب عليه وجوب تحقيقها وقيام مسئولية الصيدلي في حالة عدم تحقيقها، أما إذا كان طبيعة مسئولية الصيدلية هو بذل عناية، فلا تقوم مسؤوليته المدنية إلا إذا ثبت أنه قد نكل عن القيام بالجهد اللازم والذي يقوم به غير من أمثاله في الخبرة وذات التخصص، بحيث إذا ثبت أن الصيدلي قد بذل الجهد والعناية اللازمة انتفت المسئولية المدنية عنه، حتى لو لم يكن قد حقق النتيجة المرجو تحقيقها.[4]

  • وعلى ذلك فيمكن القول أن التزام الصيدلي قد يكون التزام بتحقيق نتيجة وفي بعض الأحيان التزام ببذل عناية وجهد، كما تكمن أهمية هذه التفرقة في  تحديد من يقع عليه عبء الإثبات، إذ  أنه  في حالة كون التزام الصيدلي  بتحقيق نتيجة يٌعفى المريض من إثبات وقوع خطأ من قبل الصيدلي ويتوقف دوره في الإثبات عند مجرد إثبات عدم وقوع النتيجة المرجوة، وعلى الصيدلي حتى يدفع مسئوليته المدنية عن عدم تحقيق النتيجة، أن يثبت قيامه بالالتزام كما هو متفق عليه في العقد  أو منصوص عليه في القانون، وذلك  بخلاف إذا كان طبيعية  التزام الصيدلي  هو بذل عناية فقط ،  إذ  يقع على المريض عبء إثبات عدم قيام الصيدلي ببذل الجهد والعناية اللازمين  والذي عادة ما يقوم به أمثاله ، وأن الضرر الذي لحق به نتيجة ذلك،[5]  وهو ما سوف نوضحه على التفصيل الآتي:

أ- حالات التزام الصيدلي بتحقيق نتيجة

  • يظهر التزام الصيدلي بتحقيق النتيجة عندما تكون المهمة التي يقوم بها هي أحد المهام الآتية:

1- أن تكون مهمة الصيدلي تسليم المريض الدواء الصالح للاستعمال والذي لا يرتب أي ضرر على  المريض،  وهذا الالتزام لا يتوقف على مجرد بذل الصيدلي الجهد بل يجب أن يحقق النتيجة الفعلية وهي أن يكون الدواء المسلم الى المريض سليما ليس بيه أية عيوب، إذ أن ذلك هو صميم عمل الصيدلي ويمكن للصيدلي الوقوف على الدواء السليم من المعيب من واقع دراسته للأدوية وخبرته، ويترتب على ذلك أن أي  ضرر يلحق المريض أو المشتري للدواء و يكون مترتبا على وجود عيب في الدواء أو أن الدواء غير صالح للاستخدام، تتحقق به مسؤولية الطبيب المدنية ولا يمكن له دفع هذه المسئولية بقالة بذله الجهد اللازم إذ أن طبيعة التزامه في هذه الحالة هو تحقيق نتيجة.

2- يجب على الصيدلي تسليم المريض ذات الدواء الموصوف من قبل الطبيب، وفي حالة عدم وجود ذات الدواء فيجب الحصول على موافقة المريض على صرف البديل أو استشارة الطبيب المعالج، وعلى ذلك إذا خالف الصيدلي هذا الالتزام يكون مسئول مدنيا عن الأضرار التي تلحق المشتري أو المريض نتيجة إهماله في صرف الدواء المقرر من قبل الطبيب، ولا يكون له الحق في دفع تلك المسئولية بقالة أنه  قد بذل الجهد أو العناية اللازمة، إذ أن التزامه هو بتحقيق نتيجة مفادها تسليم المريض ذات الدواء الموصوف من قبل الطبيب، إلا إذا حصل على موافقة المريض أو الطبيب المعالج، ولا يتوقف التزام الطبيب عند مجرد صرف ذات الدواء الموصوف من الطبيب، بل يجب عليه تحقيق نتيجة أخرى وهي تسجيل الجرعات المقررة من الطبيب على الدواء ومواعيد تلك الجرعات مع الالتزام بتفهيم المريض ذلك شفويا. [6]

3- في حالة كانت مهمة الصيدلي تصنيع التركيبات الدوائية بناء على وصفة الطبيب المعالج، فيجب عليه أن يلتزم بالنسب التي قررها الطبيب المعالج، مع ضرورة تنبيه الطبيب عن أي خطأ في تلك النسب إذا اكتشف الصيدلي خطأ فيها، ولا يجوز له على أي حال تجهيز التركيبة مع يقينه بعدم صحتها وخطورتها على المريض، لأنه ملتزم ببيع أدوية صالحة للاستعمال،[7] وبالتالي إذا خالف هذا الالتزام يكون إخلاله بتحقيق بالتزامه بتحقيق نتيجة، وليس له دفعه بقالة إنه بذل الجهد اللازم أو أن الطبيب المعالج هو المسئول عن الخطأ في التركيبة.

4- أن يلتزم الصيدلي ببيع الدواء بالأسعار المحددة دون زيادة أو نقصان وهو التزام بتحقيق نتيجة نصت عليه صراحة المادة (37/ أ، ب) من قانون الدواء والصيدلة الأردني حث جاء نصها: (‌أ. يحظر على المؤسسة الصيدلانية مخالفة سعر الدواء المحدد من المؤسسة وفي حال حصل تغيير على سعر الدواء يلتزم مستودع الأدوية بتغيير رقاع التسعير الجديدة خلال خمسة وأربعين يوماً من تاريخ التغيير.

‌ب. على المؤسسة الصيدلانية تقديم المعلومات الصحيحة اللازمة لتسعير الدواء وفقاً لأسس التسعير الصادرة عن المؤسسة….).

ب- حالات التزام الصيدلي ببذلة عناية

  • ويقصد بالتزام الصيدلي ببذل عناية هو أن يقوم الصيدلي ببذل الجهد اللازم لتحقيق النتيجة المرجوة، دون أن يكون التزامه متوقفا على تحقيقها، إذ قد يؤدي جهده الى تحقيق النتيجة فعلا أو عدم تحقيقها، [8]‌ ويمكن عد حالات التزام الطبيب ببذل عناية دون ذكرها على سبيل الحصر مثل:

1- التزام الصيدلي بنجاح الدواء في علاج المريض هو التزام ببذل عناية إذ يقف دور الطبيب عند تقديم الدواء المناسب والصالح للاستعمال، والذي يرغب من خلاله معالجة المريض إلا أن هذا الالتزام يتوقف عند بذل الصيدلي الجهد اللازم، دون أن يكون ملتزما بشفاء المريض فعلا،[9] وإلا تحول التزامه من بذل عناية الى تحقيق نتيجة، ومع ذلك فإذا قام الصيدلي بتقديم دواء منتهي الصلاحية الى المريض فهو يكون مسؤولا عن تحقيق الدواء للنتيجة،[10] كونه قد قصر في بذل العناية والجهد اللازمين سواء تم ذلك عن عمد منه أو اهمال.

2- التزام الصيدلي بتركيب الدواء بالمعايير العلمية والفنية المتعبة عند تركيبة وهو التزام ببذل عناية وجهد يتوقف عند تركيبه للدواء بالشكل المطلوب، دون أن يمتد للأثار الجانبية التي قد تنتج عن تناول المريض هذا الدواء مثل حدوث حساسية له جراء تناوله، إذ أن المسئولية هنا تقع على الطبيب المعالج وليس على الصيدلي.[11]

3- قيام الصيدلي بتوجيه بعض النصائح الى المريض المتعلقة بالأطعمة التي يفضل تناولها، أو حث المريض على الحركة أو الراحة التامة، وجميع الإرشادات العامة التي يشعر أنها مجدية بالنسبة لحالة المريض، حيث تعتبر جميعها من قبل الالتزام ببذل عناية وليس تحقيق نتيجة. [12]

4- كما يرى البعض أن التزام الصيدلي بتحذير المريض من مخاطر بعض الأدوية سواء بسبب حالته الصحية، أو بسبب عمره هو التزام ببذل عناية يتوقف عند مجرد قيام الصيدلي فعلا بتحذير المريض.

ثالثا: الطبيعة القانونية للمسئولية المدنية للصيدلي

تقوم مسئولية الصيدلي عن أخطائه إما على أساس إخلاله بواجب عقدي أو على أساس قيامه بفعل ضار يستدعي مسئوليته تقصيريا، وعلى ذلك يمكن تقسيم هذا المبحث الى:

أ – متى تكون مسئولية الصيدلي المدنية مسئولية عقدية؟

  • بادئ ذي بدء فإن المسئولية بمفهومها القانون ي (خطأ قانوني يتمثل في الإخلال بالتزام قانوني، ويتعرض مرتكب هذا الخطأ لجزاء قانوني ).[13]
  • فالمسئولية العقدية على الصيدلي لا تقوم إلا إذا كان كل من الصيدلي والمريض تربطهما ببعضهما علاقة تعاقدية، أي أن مصدر هذه المسئولية هو العقد المنشأ لها أو المقرر لها، وعلى ذلك حتى تترتب المسئولية العقدية في مواجهة الصيدلي يجب أن تتوافر الشروط الآتية:

  • 1- أن يكون هناك عقد يلتزم به الطرفين

    • والعقد كما عرفته المادة (87) من القانون المدني الأردني هو: (ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الأخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للأخر).
  •  وعلى ذلك فإن وجود عقد بين الطرفين لترتيب المسئولية المدنية بينهما امر بديهي لا بد منه، كما يشترط أن يتوافر في هذا العقد الشروط اللازمة لصحة انعقاده، فإذا كان العقد بين الطرفين أصابه خلل أو عيب أفقده صحته فإن ترتيب المسئولية على الصيدلي يكون على أساس الفعل الضار وليس على أساس عقدي، كما يجب الإشارة الى أن المسئولية العقدية تبقى قائمة حتى في بعض الأمور التي لم ينص عليها العقد، إلا أنها في الأصل من تبعات عقد بيع الدواء مثل التزام الطبيب بمراجعة الوصفة الطبية.[14]

  • 2- أن يكون الضرر ناتجا عن مخالفة الصيدلي للالتزام العقدي

    يجب حتى تقوم المسئولية العقدية في مواجهة الصيدلي أن يكون الضرر الذي لحق بالطرف الأخر في هذا العقد ناتجا وبشكل مباشر الى إخلال الصيدلي بالالتزامات التي يقررها العقد، سواء كانت التزامات رئيسية قد نص عليها العقد صراحة كالتزام الصيدلي بتسليم الدواء،[15] أو التزام تبعي للالتزام الجوهري كالتزامه بتنبيه المريض الى الأثار الجانبية للدواء والخطورة  التي قد تلحق به جراء تناوله،[16] كما أن مخالفة الصيدلي لالتزمه بتسليم الدواء في الوقت المتفق عليه وتأخره يعد من قبيل الإخلال بالالتزام العقدي الذي يقرر المسئولية العقدية في مواجهته.

    3- المريض هو صاحب الحق في التمسك بالعقد

    لكي تقوم المسئولية العقدية في مواجهة الصيدلي يجب أن يكون مدعي قيامها هو المريض المتعاقد نفسه، إلا إذا توفي فينتقل الحق في رفع دعوى المسئولية العقدية الى ورثته باعتباره م خلف عام لمورثهم المتعاقد. [17]

    • ويتفرع عن هذا الشرط إشكالية قيام شخص أخر غير المريض ولا يمثل المريض قانونا بالتعاقد مع الصيدلي، مثل من يبرم عقدا مع الصيدلي لجلب دواء خاص بزوجته أو بقريب له وفي هذه الحالة يجب التفرقة بين حالتين
  • الأولى: أن يبرم الغير عقد الدواء مع الصيدلي باسم المريض، حيث يرى البعض أن الأجدر بالتطبيق في هذه الحالة هي أحكام عقد الوكالة وما يترتب على ذلك من صيرورة العلاقة بين المريض والصيدلي علاقة يحكمها العقد.

  • الثانية: أن يكون الغير قد تعاقد مع الصيدلي بغرض تحقيق مصلحة شخصية له، وليس بقصد ترتيب حق مباشر للمريض، ففي هذه الحالة تنتفي الرابطة العقدية بين المريض والصيدلي، وليس للمريض رفع دعوى المسئولية العقدية في مواجهة الصيدلي ويبقى هذا من حق من تعاقد مع الصيدلي وحده.[18]

  • ب- متى تكون مسئولية الصيدلي مسئولية تقصيرية؟

    • رغم أن الأصل في مسئولية الصيدلي عن أخطائه التي ألحقت بالغير ضررا، هي مسئولية عقدية مصدرها عقد الدواء سواء كان الالتزام المترتب على هذه المسئولية جوهري أو ثانوي، إلا أن هناك بعض الفقه رأى أنه  من الضروري جعل مسئولية الصيدلي في مواجهة المريض مسئولية تقصيرية عن فعله الضار، وقد ساق أصحاب هذا الراي عدة حجج لرأيهم، إلا أنه  ومن حيث الأصل هناك شبه اتفاق على أن تقرير المسئولية العقدية في مواجهة الصيدلي كلما كان الإخلال حدث في التزام اتجهت إرادة المتعاقدين الي تحقيقه، أو كان من اللزوم عدم الإخلال به لتنفيذ التزامات العقد ، وهو ما يعني بمفهوم المخالفة أن مسئولية الصيدلي لا تكون تقصيرية إلا إذا ثبت أن الفعل الضار الذي لحق بالمريض لم يكن مترتبا على التزام اتجهت إليه إرادة المتعاقدين بشكل صريح أو ضمني.

    رابعا: أركان مسئولية الصيدلي مسئولية مدنية

    تقوم م المسئولية المدنية في مواجهة الصيدلي كلما وقع منه خطأ أو إخلال بالتزام عقدي نتج عن هذا الإخلال ضررا لحق بالمريض، وعلى ذلك فيمكن إيجاز أركان المسئولية المدنية بشكل عام ومسئولية الصيدلي بشكل خاص في، خطأ يقع من الصيدلي، يتبعه ضرر يقع على المريض، مع ارتباط بين الخطأ والضرر بعلاقة سببية، بحيث يكون الأول سببا في حدوث الثاني.

    •  وسوف نتحدث عن تلك الأركان بشيء من التفصيل على النحو الآتي:

    أ- وقوع خطا من جانب الصيدلي

    يعتبر الخطأ هو أحد اهم أركان قيام المسئولية المدنية فبدون وجود خطأ قد وقع من قبل الصيدلي لا يمكن مسالته مدنيا، ويعرف الخطأ على أنه: (انحراف في السلوك المألوف للشخص العادي مع ادراك لهذا الانحراف )،[19] وقد نصت المادة (256) من القانون المدني الأردني على: (كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر). وبالتالي فإن كل خطأ يقع من الصيدلي سواء كان ناتجا عن مخالفته لالتزام يحتويه العقد بينه وبين المريض، أو كان مصدره القانوني يسال  عنه مدنيا، و بمعنى أخر لا يشترط لمسائلة الصيدلي أن يكون مصدر التزامه عقدي، بل يسال عن فعله الضار حتى لو لم يكن منصوص عليه في العقد إعمالا لأحكام المسئولية التقصيرية، وهو ما عناه المشرع الأردني كما هو واضح من نص المادة (256 ) سالفة الذكر، إذ  ذكر في مقدمتها جملة (كل إضرار )، وهو بالتالي لم يفرق بين الخطأ التقصيري والخطأ العقدي في تقرير المسئولية المدنية بشكل عام، والخطأ الذي يقع من الصيدلي له صور كثيرة، منها تسليمه لدواء غير صالح للاستعمال، أو إعطائه المريض دواء انتهت صلاحية استخدامه، أو عدم تجهيز تركيبة الدواء بالشكل المتفق عليه علميا وبحسب الجرعات المقررة من الطبيب وغيرها من أخطاء.

    ب- أن يلحق بالمريض ضررا

    لا تقوم المسئولية المدنية سواء مسئولية عقدية أو مسئولية تقصيرية في مواجهة الصيدلي بمجرد وقوع خطا منه، بل يجب أن يترتب على هذا الخطأ الحاق الضرر بالمريض ويعرف الضرر بأنه: (الأذى الذي يلحق بالشخص في ماله، أو جسده، أو عرضه، أو عاطفته)، [20] ولا يتوقف الضرر المقصود على الضرر المادي فقط، بل يشمل الضرر المادي والضرر المعنوي فكل ضرر يصيب الشخص في أملاكه، أو أمواله، أو جسده، أو عرضه أو حتى في عاطفته يقيم المسئولية المدنية، إلا أنه يبقى على المضرور إثبات وجود هذا الضرر وتحديد مصدره.

    •  وحتى يمكننا القول إن هناك ضررا قد لحق بالمريض يجب أن يتواف شرطان أساسيان:

    الأول: أن يحدث إخلال بمصلحة مشروعة ومعتبرة

    ويتمثل ذلك فيما يلحق بالمريض من أذى نتيجة خطا الصيدلي كأن يترتب على ذلك الخطأ وفاة المريض أو تعطل أحد أعضائه أو ذهاب منفعته.

    الثاني: أن يكون الضرر قد وقع فعلا

    يشترط أن يكون الضرر قد وقع بالفعل أو أن مسألة وقوعه في المستقبل حتمية، أما إذا كان الضرر احتماليا وغير مجزوم بوقوعه حالا أو مستقبلا، فلا تقوم المسؤولية المدنية في مواجهة الصيدلي إلا من وقت وقوع الضرر فعلا تطبيقا للأحكام العامة للمسئولية المدنية.

    ج- توافر علاقة السببية بين الخطأ والضرر

    يجب أن يرتبط كل من الخطأ والضرر بعلاقة سببية تشير بشكل قاطع الى أن سبب الضرر الذي لحق بالمريض هو الخطأ الواقع من الصيدلي، بحيث يكون الضرر نتيجة لازمة للخطأ.

    •  ويجب أن نشير الى أن إثبات علاقة السببية في المجال الطبي بشكل عام امر معقد وليس باليسير، خاصة مع عظمة الخالق في خلق الإنسان وتكوين جسده والتي قد تجعل الأمر في بعض الحات شديد الغموض والتعقيد، بحيث لا يمكن الوقوف عما إذا كان خطا الصيدلي هو الذي أدى الى الضرر أم لا، وفي حالة ثبوت ذلك يصعب إثبات عما إذا كان هناك عوامل أخرى قد تداخلت فزادت من حدة هذا الضرر أم لا مثل الحالة الصحية للمرض وسنه وخطأه الشخصي، إلا أن المضرور يعفى من إثبات أركان المسئولية إذا كان التزام الصيدلي هو التزام بتحقيق نتيجة حيث  يقف دوره عند إثبات  عد تحقق النتيجة المتفق عليها، أما إذا كان التزام الصيدلي ببذل عناية فيقع على المريض عبء إثبات أركان المسئولية المدنية[21] بما في ذلك رابطة السببية وهو كما قررنا أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، وغني عن البيان أنه كلما ثبت أن الضرر اللاحق بالمريض لا يرجع الى خطأ الصيدلي بل يرجع الى سبب أخر اجنبي كان ذلك مانعا من إقامة المسئولية المدنية في مواجهة الصيدلي، تطبيقا لنص المادة (261 ) من القانون المدني الأردني حيث جاء نصها: ( إذا اثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب اجنبي لا يد له فيه كأفة سماوية وحادث فجائي تو قوة قاهرة أو فعل الغير أو فعل المتضرر كان غير ملزم في الضمان مالم يقض القانون أو الاتفاق بغير ذلك ).

    خامسا: الأثر المترتب على مسئولية الصيدلي مسئولية مدنية

    يعتبر التعويض هو اهم الأثار المترتبة على قيام المسئولية المدنية في مواجهة الصيدلي، بل هو الهدف الذي يرغب المضرور في تحقيقه بعد ما لحقه الضرر من فعل الصيدلي، وهذا الأثر يتحقق كلما تقررت المسئولية المدنية بشكل عام سواء كانت عقدية أو تقصيرية، وهو ما عرفته المادة (256) من لقانون المدني الأردني بضمان الضرر حيث جاء نصها: (كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر). – ويجب أن يكون التعويض المقرر للمريض المضرور أو لورثته مكافئا لما لحق به من أذى نتيجة خطا الصيدلي، جابرا لما أنفقه المضرور من نفقات وعلاج لتفادي هذا الضرر أو لتقليل حدته، كما يجب أن يشمل التعويض عن الضرر المادي والمتمثل فيما لحق المريض من أذى في جسده الى جانب التعويض عن الضرر المعنوي الذي قد يكون لحق بالمريض نتيجة خطا الصيدلي، سواء في تردي حالته النفسية بسبب تراجع حالته الصحية، أو ما ترتب على خطا الصيدلي من تشويه لمظهر المريض أو فوات منفعة عضو من أعضائه، أو قعوده طريح الفراش، ولاشك أن في كل ذلك ضرار معنويا كبيرا لحق بالمضرور يستأهل تعويضه عنه.

    •  والناظر الى نصوص القانون المدني الأردني يجد أن المشرع راعى ذلك جيدا حيث نص في المادة (266) منه على: (يقدر الضمان في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار)، كذلك ما قرره المشرع في المادة (267) من ذات القانون فيا يخص الضرر الأدبي والمعنوي حيث جاء نصها: (1. يتناول حق الضمان الضرر الأدبي كذلك. فكل تعد على الغير في حريته أو في عرضه أو في شرفه أو في سمعته أو في مركزه الاجتماعي أو في اعتباره المالي يجعل المتعدي مسئولا عن الضمان.
    1. ويجوز أن يقضى بالضمان للأزواج وللأقربين من الأسرة عما يصيبهم من ضرر أدبي بسبب موت المصاب.
    2. ولا ينتقل الضمان عن الضرر الأدبي الى الغير إلا إذا تحددت قيمته بمقتضى اتفاق أو حكم قضائي نهائي).

    سادسا: بعض اجتهادات محكمة التمييز فيما يتعلق المسئولية المدنية

    1- قضت محكمة التمييز في حكمها رقم 741 لسنة 1997 بالآتي:

    (استقر قضاء محكمة التمييز على أن المسؤولية المدنية عن الفعل الضار تستلزم أن يكون هناك فعل أو امتناع عن فعل، وأن يكون هناك ضرر لحق بالغير وأن تكون هناك علاقة سببية تربط الفعل بالضرر الحاصل).

    2- الحكم رقم 4972 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الحقوقية الصادر بتاريخ 11-9-2019

    (ومن المقرر أن موجب التعويض في العلاقة التعاقدية هو قيام الخطأ العقدي من جانب أحد المتعاقدين والذي يتمثل برفض تنفيذ التزامه العقدي أو الامتناع عن ذلك أو تنفيذه خلافاً لشروط العقد بمعنى ثبوت الإخلال بالالتزام العقدي.

    ومن المقرر أن استخلاص توافر أركان المسئولية عقدية أو تقصيرية من فعل وضرر وعلاقة سببية بينهما من سلطة محكمة الموضوع متى كان تقديرها سائغاً وله أصله الثابت بالأوراق ويكفي لحمل قضائها.

    والمقرر أن كل إضرار بالغير سواء أكان بفعل إيجابي أو بتقصير يلزم فاعله تعويضه عن الأضرار التي أصابته من جراء ذلك، وأن الضمان يقدر في جميع الأحوال بقدر ما لحق المضرور من ضرر وما فاته من كسب وأن عبء إثبات عناصر الضرر بما في ذلك الكسب الفائت المطالب بالتعويض عنه يقع على عاتق المضرور وأن استخلاص الخطأ الموجب للمسئولية ونسبته إلى فاعله وما نجم عنه من ضرر ورابطة السببية فيما بينهما وتقدير التعويض الجابر لهذا الضرر هو من أمور الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع طالما أنه ا أبانت عناصر ووجه أحقية طالب التعويض عنها من واقع ما هو مطروح عليها في الأوراق بما لها من سلطة فهم الواقع في الدعوى وتقدير الأدلة والمستندات وتقارير الخبرة المقدمة في الدعوى) .

    سابعا: الخاتمة

    ختاما فقد حاولنا في هذا المقال بيان مسئولية الصيدلي المدنية والطبيعة القانونية لهذه المسؤولية، وقد وضح لنا من خلال هذا البحث أن المشرع الأردني  حين وضع قانون الدواء والصيدلة لم يفرد مساحة خاصة لمسؤولية الصيدلي المدنية، بل ترك الأمر للقواعد العامة للمسئولية المدنية المقررة في القانون المدني، وإن كانت هذه القواعد فيها ما يغطي جزءا كبير من مسئولية الصيدلي المدنية عن أخطائه إلا أننا كنا نود أن يتناول قانون الدواء والصيدلة هذه المسألة بشيء من التفصيل، نظرا لخطورة الأفعال الضارة التي قد تقع من الصيدلي اتجاه المريض أثناء أداء عمله، وهي مسائل معظمها فنية وعلمية تحتاج الى تنظيم خاص لشرح قواعد هذه المسؤولية وحدوها لذلك نقترح صدور تعديل تشريعي لقانون الدواء والصيدلة بإضافة باب خاص لمسئولية الصيدلي عن أعماله المهنية.

    كتابة: محمد إسماعيل حنفي

    [1] بلحاج العربي، النظرية العامة للالتزام، ج1، ط1، دار المطبوعات الجامعية، 1995، ص 10

    [2]  محمد كامل حسين، الموجز في تاريخ الطب والصيدلة، ج2، دار الثقافة، عمان، ص 65

    [3] باسم محمد فاضل، المسئولية المدنية للصيدلي من الإخلال بتبصير المريض، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2019، ص 23

    [4]  عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص 657

    [5] حسن علي الذنون، المبسوط في شرح القانون المدني، المسئولية عن فعل الغير، ط 1، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان 2006، ص 20

    [6]  رضا عبدالطيم عبد المجيد، المسئولية القانونية عن تداول وإنتاج الأدوية والمستحضرات الصيدلية، ط1، دار النهضة العربية ا، القاهرة، ص 238- 239

    [7]  محمد حسين منصور، المسئولية الطبية، دار الفكر الجامع، الإسكندرية، 2006 ص 229، 230

    [8] دريد محمود علي، النظرية العام للالتزام، مصادر الالتزام، دراسة مقارنة، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، ط2، 2012، ص 28

    [9] محمد حسين منصور، مرجع سابق، ص 37

    [10] رضا عبد المجيد، مرجع سابق، ص 229

    [11] لقمان الكريم، المسئولية الجنائية والمدنية للصيدلي، رسالة ماجستير جامعة أم درمان الإسلامية، السودان، 2017، ص 258

    [12] رضا عبد المجيد، مرجع سابق، ص 258

    [13] عزالدين الديناصوري، المسئولية المدنية في ضوء الفقه والقضاء، القاهرة الحديثة للطباعة، مصر 1988 ص 6، 7

    [14] عباس الحسين، مسئولية الصيدلي المدنية عن أخطائه المهنية، دراسة مقارنة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن ط1، 1999 ص 84

    [15] لقمان الكريم، مرجع سابق ص 274

    [16] عباس الحسيني، مرجع سابق، ص 86

    [17] وفاء حلمي أبو جميل، الخطأ الطبي، دار النهضة العربية القاهرة، 1987، ص 36

    [18] احمد حسن الحيارى، المسئولية المدنية للطبيب في ضوء النظام القانوني الأردني والنظام القانوني الجزائري، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط1، 2008، ص 64

    [19] الديناصوري، مرجع سابق، ص 61

    [20] عدنان السرحان ونوري خاطر، شرح القانون المدني، مصادر الحثوث الشخصية، الالتزامات، دار الثقافة للنشر والتوزيع ن ط1، عمان، 2000 ص 409

    [21] عسوس فريد، الخطأ الطبي والمسئولية الطبية، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، 2002، ص 155، 156

    Scroll to Top