آثار حكم المحكمة الدستورية
يترتب على الحكم الصادر من المحكمة الدستورية عدة آثار خاصة إذا كان الحكم قد قضى بعدم دستورية النص محل الطعن، بخلاف إذا قضى برفض الطعن بعدم الدستورية إذ أن ذلك لا يحدث أثرا جديدا ويبقى الأثر الناتج عن الحكم مقتصرا على بقاء النص دستوريا وعدم جواز إثارة الدفع بعدم دستوريته مرة أخرى.
أما إذا كان الحكم الصادر من المحكمة الدستورية قاضيا بعدم دستورية النص محل الطعن فإن لذلك الحكم أثرا أساسيا يتمثل في زوال حجية هذا النص القانوني وعدم جواز التمسك به أمام القضاء، كما يمتنع على القضاء الحكم استنادا عليه، ويثار تساؤلا حول ميعاد تطبيق هذا الأثر و عن مدى جواز تطبيقه بأثر رجعي من عدمه، وهو ما سنتطرق إليه خلال هذا المقال إلى جانب الحديث عن الأثر الأخر لهذا الحكم والمتمثل في نهائيته وعدم جواز الطعن عليه مرة أخرى على التفصيل الآتي:
أولا: المقصود بآثار حكم المحكمة الدستورية
ثانيا: الأثر الزمني لحكم المحكمة الدستورية
ثالثا: موقف القانون الأردني من الأثر الرجعي لأحكام المحكمة الدستورية
رابعا: عدم جواز الطعن على أحكام المحكمة الدستورية
رابعا: بعض الاجتهادات القضائية المتعلقة بأثر حكم المحكمة الدستورية
أولا: المقصود بآثار حكم المحكمة الدستورية
بادئ ذي بدء فإن المقصود بأثر الحكم عموما هو النتيجة التي يرتبها الحكم فور صدوره، فالحكم الذي تصدره المحكمة إما أن يكون مقررا لحق من الحقوق أو كاشفا له، وهذا بالطبع في مجال الأحكام المدنية أما في الأحكام الجنائية فإن الأثر الذي يرتبه الحكم يتمثل في تقرير قيام المسئولية الجزائية في مواجهة المتهم وتعرضه للعقاب بناء عليها، أو في نفي مسئوليته الجزائية وبالتالي القضاء ببراءته أو بامتناع تحريك المسئولية الجزائية في مواجهته لتوافر احد الأسباب التي حددها القانون.
- أما في مجال الأحكام الصادرة من المحكمة الدستورية فإن الأثر المترتب على الحكم الدستوري هو أحد أمرين:
– الأول : أن تقضي المحكمة الدستورية برفض الطعن بعدم الدستورية في مواجهة النص القانوني وفي هذه الحالة يبقى للنص القانوني قوته التنفيذية باعتباره قاعدة قانونية ملزمة يقتضي على جميع المخاطبين بها الالتزام بأحكامها، والتزام المحاكم بالقضاء بموجبها كلما عرض عليها نزاع كان النص القانوني المقضي بدستوريته هو الحاكم له، وهذا الأمر بديهي وتقتضيه المصلحة العامة إذ أن الأصل في النصوص القانونية أنها صحيحة و أنها متوافقة مع أحكام الدستور وبالتالي تبقى حجيتها بعد الحكم برفض الادعاء بعدم الدستورية كما كانت قبل الادعاء به .
– الثاني : أن تقضي المحكمة الدستورية بعدم دستورية النص القانوني محل الطعن، فإن الأثر الذي يترتب على ذلك هو زوال حجية هذا النص القانوني وعدم جواز الاستناد إليه أو الاحتجاج به أمام القضاء، إذ يسقط عنه وصف النص القانوني ويصبح هو والعدم سواء، كما يكون للحكم الصادر بعدم الدستورية حجية مطلقة بحيث يعمل بهذا الحكم دون أن يتوقف الأمر على تصريح من السلطة التشريعية أو غيرها من السلطات، مع بقاء حق السلطة التشريعية في تعديل النص الغير دستوري ليتوافق مع الدستور ولسد الفراغ التشريعي الذي ترتب على الحكم بعدم الدستورية.
ثانيا: الأثر الزمني لحكم المحكمة الدستورية
يقصد بالأثر الزمني للحكم بعدم الدستورية [انه الإطار الزمني الذي يبدأ فيه تطبيق الحكم بعدم الدستورية وهل يطبق بشكل مباشر ومن وقت صدور الحكم أم يطبق بأثر رجعي؟
- وللإجابة على هذا السؤال يجب علينا أولا أن نفرق بين حالتين
الحالة الأولى: أن يكون الحكم الصادر من المحكمة الدستورية برفض دعوى عدم الدستورية أو بعدم قبولها إذ لا تثير هذه الحالة أي خلاف بين الأنظمة الدستورية كون هذه الأحكام لا تضيف أي آثار جديدة للحكم.[1]
الحالة الثانية: أن يكون الحكم الصادر من المحكمة الدستورية يقضي بعدم دستورية النص محل الطعن، إذ تباينت الأنظمة الدستورية في تحديد سريان أثر هذا الحكم من حيث الزمان، حيث أخذت بعض الأنظمة الدستورية بمبدأ سريان الحكم الدستوري بأثر رجعي و عرف البعض الأثر الرجعي للحكم الدستوري بأنه الأثر الذي يترتب عليه انعدام قيمة النص القانوني المقضي بعدم دستوريته من تاريخ صدوره لا من تاريخ الحكم بعدم دستوريته وما يترتب على ذلك من بطلان للمراكز القانونية التي نشأت وفق أحكام هذا النص،[2] ومن هذه الأنظمة الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا [3]، كما أيد بعض الفقه هذا الاتجاه وساق بعض الحجج المؤيدة له منها :
1- أن الأحكام القضائية هي من حيث الأصل كاشفة للحقوق لا منشأة لها، وبالتالي فإن افتراض وجود الحق يكون وقت إصدار النص القانوني وليس من وقت الحكم بعدم دستوريته.
2- أن الأحكام الدستورية ذو طبيعة عينية إذ تكون الخصومة فيها موجهة للنص القانوني نفسه باعتباره قاعدة مجردة، فإذا قضي بعدم دستورية هذا النص فإن ذلك مؤداه أن يكون هذا النص ومنذ صدوره غير متفقا مع الدستور، وليس فقط من وقت الحكم بعدم دستوريته.
3- أن المشرع حين فتح الطريق أمام الخصوص للدفع أمام القضاء بعدم دستورية نص ما ابتغى من وراء ذلك أن يقضي القاضي في النزاع بما انتهى إليه حكم المحكمة الدستورية، وفي عدم إعمال الأثر الرجعي للحكم يعني أنه يجب على القاضي تطبيق النص القانوني بعد الحكم بعدم دستوريته وهو امر غير منضبط و يخالف ما قصده المشرع من إباحة الدفع بعدم الدستورية.
- ويرى بعض الفقه أنه بالرغم من وجوب إعمال الأثر الرجعي للحكم الدستوري إلا أن ذلك الأمر يجب ألا يخل بفكرة الأمن القانوني، بحيث يجب أن يتم وضع بعض الضوابط والمعايير للعمل بالأثر الرجعي لأحكام المحكمة الدستورية مثل :
1- إذا كان الحكم بعدم الدستورية قد لحق نصا قانونيا أو تشريعا يعتبر من المبادئ الدستورية في أغلب الدساتير فلا يعمل بالأثر الرجعي.
2- عدم إعمال الأثر الرجعي على الحقوق التي اكتسبها الأفراد بطرق مشروعة، وذاك لحماية للحقوق والحريات المحمية بموجب النصوص الدستورية أيضا.
3- أن توضع بعض الأحكام والضوابط اللازمة لتطبيق الأثر الرجعي للأحكام الدستورية القاضية بعدم الدستورية حفاظا على الأمن القانوني للأشخاص، مثل عدم المساس بالحقوق المستقرة المبنية على التقادم أو على أحكام قضائية حازت قوة الشيء المقضي به.
- إلا أن هناك بعض الأنظمة الدستورية أخذت بمبدأ سريان أثر هذا الحكم في المستقبل فقط، ومن هذه الأنظمة فرنسا واليونان، وقد أيد بعض الفقه هذا الاتجاه وساق بعض الحجج المؤيدة له منها :
1- أن الحكم القاضي بعدم دستورية نص قانوني لا يكون كاشفا لعدم الدستورية بل هو منشأ لها، وبالتالي فيطبق الحكم بشكل فوري وعلى الوقائع التي تقع في المستقبل فقط.
2- أن العمل بالأثر الرجعي لأحكام المحكمة الدستورية يصيب المركز القانونية المستقرة بالخلل، وهو يخالف ما يرمي إليه المشرع خاصة إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقا بنص جنائي.
ثالثا: موقف القانون الأردني من الأثر الرجعي لأحكام المحكمة الدستورية
لم يأخذ المشرع الأردني بفكرة الأثر الرجعي لأحكام المحكمة الدستورية بشكل مطلق، بل ترك امر تحديد ميعاد نفاذ الحكم الصادر بعدم دستورية النص القانوني أو النظام للسلطة التقديرية للمحكمة الدستورية، فرغم أن الأصل أن حكم المحكمة الدستورية ينتج أثاره من وقت صدور الحكم وفيما بعده إلا أن ذلك لا يمنع المحكمة من تحديد ميعاد آخر لنفاذ الحكم سواء قررت أن يكون تاريخ نفاذ هذا الحكم مستقبلا أو على وقائع قد وقعت بالفعل وإعمال الأثر الرجعي للحكم وقد نصت المادة ( 15 / ب / ج /د ) من قانون المحكم الدستورية على : ( ب. مع مراعاة أحكام الفقرة (ج) من هذه المادة يكون الحكم الصادر عن المحكمة نافذا باثر مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخا آخر لنفاذه ، فاذا قضى بعدم دستورية قانون أو نظام نافذ يعتبر القانون أو النظام باطلا من تاريخ صدور الحكم ، واذا حدد الحكم تاريخا آخر لنفاذه فيعتبر القانون أو النظام باطلا من التاريخ المحدد في الحكم .
ج. إذا قضت المحكمة بعدم دستورية نص يفرض عقوبة فيوقف تنفيذ الأحكام التي قضت بالإدانة استنادا لذلك النص وتنتهي آثارها الجزائي.
د. إذا قضت المحكمة بعدم دستورية اكثر من نص في القانون أو النظام فللمحكمة التفريق في تاريخ نفاذ حكمها بين نص وآخر وفق ما تراه مناسبا).
- و ترتيبا على ما سبق وهديا بما ورد في النص السابق ذكره فيمكن استنتاج بعض الملاحظات حول موقف المشرع الأردن من إعمال الأثر الرجعي لحكم المحكمة الدستورية والتي تتمثل في :
1- أن الأصل في أحكام المحكمة الدستورية أنها تنتج اثرها بشكل مباشر من وقت صدور الحكم وعلى الوقائع التي تقع مستقبلا.
2- أن المشرع أعطى للمحكمة الدستورية سلطة تحديد تاريخ سريان هذا الأثر، وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الأردني لم يوجب أن يكون التاريخ مستقبلا مما يفيد جواز أن تعمل المحكمة الأثر الرجعي لحكمها بشرط أن تنص على ذلك صراحة.
3- إذا كان الدفع بعدم الدستورية قد ورد على أكثر من نص قانوني وقضي بعدم دستوريتهم فللمحكمة سلطة تحديد ميعاد سريان ونفاذ الحكم بالنسبة لكل نص منهم، وذلك وفقا لما قررته المادة( 15 /د ) السابق ذكرها، بحيث يكون النص المقضي بعدم دستوريته الذي لم تحدد المحكمة تاريخا لسريان الحكم الصادر بشأنه نافذا بشكل مباشر وعلى الوقائع المستقبلية فقط، إعمالا للأصل العام المقرر في المادة ( 15 / ب).
4- يلاحظ أيضا أن المشرع لم يتطرق إلى مدى استفادة الخصم الذي دفع بعدم الدستورية، وهل يستفيد من الحكم بعدم دستورية النص؟ أم أن الأمر يتوقف على تقرير المحكمة في حكمها استفادته منه، ويظهر من مفهوم نص المادة( 15 ) أنه لا مشكلة من تقرير المحكمة في حكمها استفادة الطاعن بعدم الدستورية من الحكم الصادر منها، إلا أننا نرى ضرورة تعديل هذا النص بحيث يجعل استفادة الطاعن بعدم الدستورية من حكم المحكمة الدستورية كأحد الأثار المباشرة واللازمة للحكم بعدم الدستورية، باعتباره حكم يحوز الحجية في مواجهة القضاء ويلتزم القضاء بالعمل وفق مضمونه على الدعاوى التي مازلت منظورة أمامه ومنها الدعوى التي أثير بشأنها الطعن، إذ تبقى هذه الدعوى موقوفة تعليقا لحين الفصل في الدفع بعدم الدستورية.
5- فيما يتعلق بالفقرة( ج ) من ذات المادة والتي قررت أن الحكم بعدم الدستورية إذا ورد على نص عقابي فإن الأثر الذي يرتبه هذا الحكم هو وقف تنفيذ الحكم القاضي بالإدانة بناء على هذا النص، وإزالة جميع الأثار المتعلقة بالحكم الجزائي لابتنائه على نص غير دستوري، أي أن يتم إعمال الأثر الرجعي لحكم المحكمة الدستورية إذا تعلق بنص عقابي.
- وقد ذهب جانب من الفقه إلى القول بأن نص الفقرة( ج ) لا يقتصر على القوانين الجزائية فقط بل يتضمن أي نص عقابي موجود في أي قانون أو نظام، كالعقوبات الواردة في قانون الخدمة المدنية كما يرى هذا الرأي أن الأثر الذي يرتبه حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية النص العقابي لا يتوقف فقط عند وقف تنفيذ العقوبة، بل يشمل أيضا إلغاء اعتبار الفعل مجرما جزائيا أو إداريا.[4]
رابعا: عدم جواز الطعن على أحكام المحكمة الدستورية
يعتبر ثاني الأثار الهامة المتعلقة بصدور حكم من المحكم الدستورية هو نهائية هذا الحكم وعدم جواز الطعن عليه بأي طريق من طرق الطعن، وهو ما أكده الدستور الأردني حيث قرر أن أحكام المحكمة الدستورية أحكام نهائية إذ نصت المادة ( 59 / 1 ) منه على : ( 1. تختص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة وتصدر أحكامها باسم الملك، وتكون أحكامها نهائية وملزمة لجميع السلطات وللكافة….. )، وهو ما أكده المشرع الأردني في قانون المحكمة الدستورية في المادة 15 / ب السابق ذكرها.
- ويترتب على ذلك أن الحكم الصادر من المحكمة الدستورية يكون حاسما للخصومة الدستورية بالقدر الذي يمنع من الطعن على هذا الحكم، و بغض النظر عن مدى صحة الحكم من عدمه حفاظا على الأوضاع القانونية والاجتماعية مستقرة،[5] وقد قضت المحكم الدستورية في اكثر من طعن في حكم صادر منها بعدم القبول شكلا لسبق صدور حكم منها بموضوعه معللة ذلك بأن أحكامها نهائيا لا تقبل التعقيب أو التأويل أو المجادلة.
-
إلا أن هناك البعض يرى وجود بعض الاستثناءات المتعلقة بنهائية الحكم الصادر من المحكمة الدستورية، والتي تخول للمحكمة الدستورية وللخصوم إعادة إثارة النزاع عن ذات الطعن مرة أخرى أمامها، و هذه الاستثناءات وإن لم يكن قانون المحكمة الدستورية قد نص عليها صراحة، إلا أنها تعد من تطبيقات القواعد العامة المقررة في قانون أصول المحاكمات المدنية، وتتمثل تلك الاستثناءات في حالة بطلان الحكم الدستوري، وكذلك في حالة وجود خطأ مادي في الحكم أو إغفال المحكمة أحد الطلبات الموضوعية على التفصيل الآتي:
أ- حالة بطلان الحكم الصادر من المحكمة الدستورية
نصت المادة ( 19) من قانون المحكمة الدستورية على وجوب انعقادها من تسعة أعضاء من حيث الأصل و استثناءً يجوز أن تنعقد من سبعة أعضاء فقط، إذا تحققت حالة من حالات التنحي أو تغيب عضو لعذر مشروع إذ جاء نصها : ( تنعقد المحكمة عند النظر في الطعن أو طلب التفسير المقدم لديها بهيئة من تسعة أعضاء على الأقل ، وفي حال تغيب عضو أو اكثر بمعذرة مشروعة أو تحققت احدى حالات التنحي تنعقد بحضور سبعة من أعضائها على أن يكون من بينهم الرئيس أو من ينوب عنه ، وتصدر أحكامها وقراراتها بأغلبية خمسة أعضاء وعند تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي صوت معه الرئيس أو من ينوب عنه (.
- وترتيبا على ذلك النص فإن صدور الحكم من المحكمة الدستورية وهي منعقدة بعدد اقل من العدد المقرر اصليا وهو تسعة أعضاء أو المقرر استثناءً وهو سبعة أعضاء، يعرض الحكم الصادر منها للبطلان، كأن يصدر الحكم من المحكمة منعقد من ستة أعضاء فقط أو اقل من ذلك، أو أن يصدر الحكم من تسعة أعضاء لكن يثبت توافر أحد أسباب عدم الصلاحية في احد أعضائها، تأسيسا على أحكام المواد( 132 ، 134 ، 135 ) من قانون أصول المحاكمات المدنية.
ب- حالة تصحيح الأخطاء المادية الواردة بحكم المحكمة الدستورية
لم يتطرق قانون المحكمة الدستورية لمسألة تصحيح الأخطاء المادية التي قد تقع في الحكم الدستوري، إلا أنه يمكن الاهتداء في ذلك بما تقرره القواعد العامة المقررة في قانون أصول المحاكمات المدنية باعتباره اعم واشمل، كما أن المحكمة الدستورية قد أصدرت تعليمات متعلقة بإجراءات الفصل في الطعون وطلبات التفسير وقررت في المادة( 12 ) منها وجوب الرجوع إلى الأحكام المقررة في قانون أصول المحاكمات المدنية في المسائل التي لم يرد بشأنها نص في قانون المحكمة الدستورية، ما دام لا يوجد تعارض بين تلك لقواعد العامة و طبيعة الدعوى الدستورية، وتأسيسا على ذلك فإن المحكمة الدستورية يجوز لها التعرض للحكم الصادر منها مرة أخرى لتعديل ما وقع منها من أخطاء مادية في أسبابه أو منطوقه، وكذلك يجوز للطاعن بعدم الدستورية طلب تصحيح الأخطاء المادية التي وقعت في الحكم الدستوري وذلك بغير مرافعة مع حقه في الطعن على قرار رفض المحكمة تعديل الخطأ المادي، وكذلك حقه في الطعن في تعديل المحكمة الدستورية للخطأ المادي الواقع في حكمها إذا تجاوزت حقها في التعديل، وقد طبقت المحكمة الدستورية هذه الحالة في أحد أحكامها إذ قامت بتصحيح رقم أحد أحكامها حيث صدر على سبيل الخطأ المادي الحكم رقم 4 لسنة 2013 إلا أن صحته هو رقم 1 لسنة 2013 .
ج- حالة الفصل في أحد الطلبات الموضوعية التي أغفلتها المحكمة الدستورية عند إصدارها للحكم
لم ينظم المشرع في قانون المحكمة الدستورية أحكام إغفال المحكمة الدستورية الفصل في أحد الطلبات الموضوعية، وبالتالي فتطبق قاعدة الرجوع إلى القواعد العامة المقررة في قانون أصول المحاكمات المدنية في هذا الشأن، وفقا لما قررته المادة( 12 ) من إجراءات الفصل في الطعون وطلبات التفسير، وعلى ذلك ووفقا لما قررته المادة( 168 / 3 ) من قانون أصول المحاكمات المدنية فإن المحكمة مصدرة الحكم ملزمة بالفصل في الطلبات التي أغفلتها ولم تتعرض لها في حكمها ويقدم الطلب من الطاعن في هذه الحالة.
رابعا: بعض الاجتهادات القضائية المتعلقة بأثر حكم المحكمة الدستورية
1– حكم المحكمة الدستورية رقم (6) لسنة 2017 المنشور بالجريدة السمية في العدد رقم 5484 بتاريخ 16-10-2017 حيث جاء فيه فيما يتعلق بحق المحكمة من تحديد الميعاد الذي ينتج فيه حكم المحكمة الدستورية أُثره : ( وحيث أن الفقرة (ب) من المادة (15) من قانون المحكمة الدستورية رقم (15) لسنة 2012، أوجبت أن يكون الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية، نافذاً بأثرٍ مباشر ما لم يحدد الحكم تاريخاً آخر لنفاذه.
لهذا وبناءً على ما تقدم وحيث سبق لهذه المحكمة البت بموضوع هذا الطعن بالحكم رقم (5) لسنة (2017) تاريخ 21/8/2017 والذي قررت فيه عدم دستورية العبارة الواردة في نهاية منطوق المادة الأولى من نظام الضريبة الخاصة المعدل رقم (97) لسنة (2016) والتي تتضمن سريان النظام بأثر رجعي.
وحيث أن الأحكام الصادرة عن المحكمة الدستورية بعدم دستورية نص تشريعي أو بتقرير دستوريته هي أحكام ملزمة لجميع الجهات والسلطات كافة ولا يقتصر أثرها على الخصوم بالدعوى التي صدرت بش أنها بل ينصرف هذا الأثر إلى الكافة بدون استثناء، وذلك عملاً بأحكام المادة (59/1) من الدستور والمادة (15/أ) من قانون المحكمة الدستورية في دعوى لاحقة بشأن عدم دستورية نص سبق للمحكمة الدستورية أن قضت بعدم دستوريته أو بتقرير دستوريته فلا يجوز النظر فيها لسبق الفصل في موضوعها.
وحيث أن أحكام المحكمة الدستورية هي أحكام نهائية غير قابلة للطعن وملزمة لجميع السلطات و الكافة فإن قرارها هو قولٌ فصلٌ لا يقبل التأويل أو التعقيب من أي جهة كانت وله حجية تحول بذاتها دون المجادلة فيه مرة أخرى، مما يتعين معه عدم جواز النظر بهذا الطعن ورده شكلاً لسبق الفصل في موضوعه).
2- حكم المحكمة الدستورية رقم (3) لسنة 2013 المنشور بالجريدة الرسمية تحت رقم 5225 بتاريخ 23-6-2013 والذي قضت فيه المحكمة بعدم قبول الطعن بعدم الدستورية لسبق الفصل في ذات الموضوع حيث جاء فيه 🙁 ومن حيث أن ما يستفاد من قانون المحكمة الدستورية رقم ( 15 ) سنة 2012 أنها صاحبة الاختصاص دون غيرها للفصل بالطعون المتعلقة بدستورية القوانين والأنظمة وأن أحكامها بهذا الشأن تنشر في الجريدة الرسمية، ومن حيث أن الدعوى الدستورية هي دعوى عينيه بمعنى أنها تنصب على نصوص بعينها فإن ما ينبني عليه أن ما تفصل فيه إنما يحوز حجيه بمواجهة الكافة ممثلين بالدعوى الدستورية أو غير ممثلين فيها وكذلك بالنسبة إلى الدولة على امتداد تنظيماتها المختلفة، وهذه الحجيه تمنع من المجادلة في هذه المسألة ، ولما كانت محكمتنا قد قررت بتاريخ 3/4/2013 في الطعن رقم (2) لسنة 2013 عدم دستورية المادة (51) من قانون التحكيم وجرى نشر الحكم بالعدد رقم ( 5217) من الجريدة الرسمية الصادر بتاريخ 16/4/2013 فيكون هذا الحكم قد اكتسب حجيه على الكافة…………. .
وتأسيساً على كل ما تقدم نقرر ما يلي :أولا : ….
ثانياً : عدم قبول الطعن شكلاً بالنسبة لما ورد في المادة الحادية والخمسين من قانون التحكيم لسبق صدور حكم عن المحكمة يقضى بعدم دستوريتها).
خامسا: الخاتمة
ختاما فقد ظهر لنا من خلال هذا المقال الأثار التي يرتبها حكم المحكمة الدستورية وميعاد إنفاذ تلك الأثار، و وقد وضح لنا باستقراء قانون المحكمة الدستورية أن أحكامها تنفذ من حيث الأصل بشكل مباشر، إلا إذا رات المحكمة تحديد ميعاد لنفاذ أثاره، كما تطرقنا خلال هذا المقال إلى الأثر النهائي لأحكام المحكمة الدستورية وعدم جواز الطعن على تلك الأحكام بعد صدورها، مع توضيح بعض الاستثناءات على ذلك الأصل.
كتابة: محمد إسماعيل حنفي
[1] دعاء بدران، نفاذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، القاهرة: دار النهضة العربية 2017، ص 295
[2]عامر محيسن، الموازنة بين فكرة الأمن القومي ومبدأ رجعية أثر الحكم بعدم الدستورية، جملة مركز دراسات الكوفة، 2011 ، ص 205
[3] أحمد الخفاجي، الأثر الرجعي للحكم الصادر بعدم الدستورية، جملة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية ، 2014 ، ص 99
[4] نعمان الخطيب ، البسيط في النظام الدستوري، الطبعة الثانية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان 2017 ، ص 345 ، 346
[5] كامل السعيد، النظرية العامة للقضاء الدستوري، الطبعة الأولى ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، عمان 2017 ، ص 272

