حماية المال العام في قانون الجرائم الاقتصادية الأردني
إن أي دولة تتشكل من عناصر وهذه العناصر هي : العنصر البشري ، والعنصر الجغرافي، والعنصر المعنوي المتمثل بالسيادة والاستقلال، واعتراف الدولة بكيانها، ويعد المال العام هو أحد مكونات العنصر الجغرافي للدولة، فهذا العنصر يتكون من مساحة الدولة وما عليها من تضاريس وطبيعة، وما تنشئه عليها الدولة من أموال عامة تستخدمه للمنفعة العامة كالحدائق والمدارس والمستشفيات، ومصادر المياه ، فالمال العام هو أحد العناصر التي تستند عليها الدولة للنهوض باقتصادها، وذلك من خلال ما تفرضه من نفقات ورسوم واقتراض وغيرها، وإنفاقها وفقاً للقوانين بما يحقق مفهوم الموازنة العامة بين الإيراد العام والإنفاق العام، وحيث أن إدارة المال العام تحتاج إلى أدوات سياسية واقتصادية للحفاظ على ديمومة المنفعة العامة المقدمة للمواطنين والمنفعة الخاصة العائدة على الدولة من خلال ما تفرضه من الرسوم والضرائب على هذا المال، كان لابد على الدولة من النص على تشريعات تجرم الاعتداء على المال العام وذلك لحمايته، وقد نص المشرع الأردني على حماية المال العام في قانون الجرائم الاقتصادية الأردني لسنة 1993 وتعديلاته، وسنتحدث في هذا المقال عن ماهية المال العام وخصائصه وأركانه وعن ماهية الجرائم الاقتصادية والعقوبات التي فرضها على مرتكبيها، وذلك على النحو التالي:
جدول المحتويات:
تعريف المال العام وفقاً لقانون الجرائم الاقتصادية
ما يدخل في إطار مفهوم المال العام
من صور الاعتداء على المال العام
الأركان العامة لجرائم المال العام
العلاقة بين الجريمة الاقتصادية والمال العام
الإجراءات التي نص عليها قانون الجرائم الاقتصادية لحماية المال العام
حماية المال العام من خلال فرض عقوبات إضافية
الجرائم الاقتصادية المرتكبة في إحدى الهيئات لمعنوية
مفهوم المال العام
إن المال العام هو كل مال غير قابل بطبيعته لأن يكون محلاً للملكية الخاصة، فهو مخصص للمنفعة العامة، ويطلق على المال العام باللغة الفرنسية الدومين العام، وقد عُرف المال بأنه هو كل شي عين أو حق له قيمة مادية في التعامل [1]، وللمال العام عدة تعريفات منها: هو المال العام الذي تقوم الدولة بالإشراف عليه استثماراً وإدارة وجبايةً، من خلال مؤسساتها وهيئاتها وشركاتها، وجاء وصف هذا النوع من المال بصفة العمومية، لما فيه من حق لجميع الشعب والأمة، وهو بذلك الوصف يختلف عن الأموال الخاصة التي يمتلكها الأفراد، أو الجهات، أو الشركات، أو المؤسسات الخاصة[2] ، كما يعرف المال العام على أنه المال الخاص بالدولة والذي توظفه في العديد من النواحي ومنها الإنفاق [3].
تعريف المال العام وفقاً لقانون الجرائم الاقتصادية
نصت المادة الثانية /ب من قانون الجرائم الاقتصادية على ما يفيد أن المال العام هو كل مال يكون مملوكاً أو خاضعاً لإدارة أي جهة من الجهات التالية أو إشرافها:
- الوزارات والدوائر والمؤسسات الرسمية العامة.
2. مجلسا الأعيان والنواب.
3. البلديات والمجالس القروية ومجالس الخدمات المشتركة.
4. النقابات والاتحادات والجمعيات والنوادي.
5. البنوك والشركات المساهمة العامة ومؤسسات الإقراض المتخصصة.
6. الأحزاب السياسية.
7. أي جهة يتم رفد موازنتها بشكل رئيس من موازنة الدولة.
8. أي جهة ينص القانون على اعتبار أموالها من الأموال العامة.
ما يدخل في إطار مفهوم المال العام
إن المال العام يشمل الأموال الميرية المنقولة أو الثابتة المخصصة لمنفعة عمومية أو بمقتضى قانون أو أمر، ويشمل الطرق والشوارع والقناطر والحدائق والسكك الحديدية والعقارات المديرية وغيرها من الأموال المنقولة أو غير المنقولة سواءً كانت كبيرة أو صغيرة متى خصصت للمنفعة العامة، فمعيار تمييز المال العام عن المال الخاص هو معيار التخصيص للمنفعة العامة وهذا المعيار هو ما اعتمده المشرع الأردني للتمييز بين المال العام والخاص.
والمنفعة العامة تشمل الاستخدام المباشر للجمهور لهذا المال العام كالطرق العامة والحدائق، والاستخدام غير المباشر كالأموال المرصودة لخدمة وتيسير المرافق العامة والتي لا يستفيد منها الجمهور إلا بطريق غير مباشر، أي من خلال المرافق المخصصة لها كالسكك الحديدية ومباني المصالح الحكومية، وسواءً كانت هذه الأموال يتم إدارتها بطريقة مباشرة أم بواسطة شركات خاصة أو أفراد عند طريق عقود الالتزام أو عقود امتياز المرافق العامة، وبغض النظر عما إذا كانت عقارية أو منقولة، وبصرف النظر عما إذا كانت داخل إقليم الدولة أو خارجها كالسفارات والقنصليات[4].
ما هي القيود التي توضع على المال العام باعتباره مخصصاً للمنفعة العامة؟
عدم جواز التصرف فيه أو الحجز عليه أو تملكه بمرور الزمن، كما لا يجوز الاعتداء عليه بإلحاق الضرر بالمنفعة العامة وإلا عد المعتدي مرتكباً لأحد الجرائم الاقتصادية المصنفة في قانون الجرائم الاقتصادية الأردني، ومرتكباُ لأحد الجرائم الأموال العامة المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني.
خصائص المال العام
من أبرز خصائص المال العام هي:
1_ إن المال العام مملوك ملكية عامة والملكية العامة تعني أن يكون المال مملوكاً للدولة أو لأحد أشخاص الداخلي كالمجالس المحلية والمؤسسات، أما إذا كان ملك للأفراد أي الأشخاص العاديين فيخرج من نطاق المال العام لأن المنفعة فيه تكون خاصة.
2_ أن يكون المال العام مخصص للمنفعة العامة باستخدام الجمهور له أو بمقتضى القانون أو النظام، وبغض النظر عن منشئ المال العام إن كان بفعل الدولة أو طبيعي دون أي تدخل منها كالمصادر المياه.
حماية المال العام
إن الحماية التي فرضها القانون على المال العام لا تشمل فقط المال العام المخصص للمنفعة العامة والذي يكون تحت إدارة الدولة بل تشمل الحماية أيضاً المال المملوك لجهات خاصة ليس للدولة عليها سوى حق الرقابة والإشراف، وذلك لأهمية تلك الأموال في تنفيذ السياسات الاقتصادية للدولة [5]، وهذه الأموال هي : النقابات والاتحادات والجمعيات والنوادي، الأحزاب السياسية، البنوك والشركات المساهمة العامة ومؤسسات الإقراض المتخصصة، أي جهة يتم رفد موازنتها بشكل رئيس من موازنة الدولة، أي جهة ينص القانون على اعتبار أمواله من الأموال العامة.
ما هو نوع الحماية المخصص للمال العام؟
إن الحماية التي توفرها الدولة للمال العام نوعين حماية مدنية يقصد بها إتباع الأحكام القانونية المتعلقة بالمال العام والواردة في القانون المدني والتي يقصد بها الحفاظ على الدور الذي يقوم به المال العام لتوفير المنفعة العامة، والنوع الآخر من الحماية هو الحماية الجنائية المتمثلة بحماية المال العام من الاعتداء عليه أو الإضرار به للمحافظة على استمراريته في النفع العام.
ما هي النتائج المترتبة على اعتبار المال العام ملكاً للدولة يتوجب عليها حمايته؟
حق الدولة برفع أي دعوى على من يعتدي مدنياً أو جزئياً على المال العام ومطالبته بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن هذا الاعتداء، كما يقع على عاتقها بموجب هذه الحماية صيانة الأموال العامة والاهتمام بها وتعويض أي فرد يتضرر نتيجة الإهمال في صيانتها وحمايتها.
أسباب حماية المال العام
إن المال العام تعم فائدته على المجتمع كله ولذلك لابد من حمايته من أي اعتداء للحفاظ على الخدمات التي تقدم للجمهور، فهي خدمات عامة، والاستمرار بتقديمها يعني استقرار الأوضاع الاقتصادية في الدولة، وبتالي المحافظة على الثقة بالدولة والحفاظ على سيادتها، فدور الدولة لم يعد يقتصر على الحارسة كما في الماضي، وإنما أصبحت الدولة مسؤولة عن إدارة المرافق العامة وضمان عملها وأصبح استقرار نشاطها الاقتصادي مرتبط باستقرار كيانها وتأكيد سيادتها.
فيعتبر المال العام وسيلة من وسائل تبادل المنافع وركيزة أساسية لاقتصاديات كل الدول بحيث تضع من خلاله خططها الحالية والمستقبلية بهدف تحقيق تقدم ورفاهية المجتمع وسواءً كان مملوكاً ملكية عامة تمارس عليه سلطاتها بصفتها صاحبة السلطات العامة، أو مملوكاً لها ملكية خاصة ويخضع لقواعد القانون الخاص، فإنه يخضع في كلتا الحالتين للحماية الجنائية المقررة [6].
من صور الاعتداء على المال العام
1_ الرشوة وهي من الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة، وتتمثل بالسلوك الموظف العام الذي يمثل جريمة قائمة على الأخذ أو القبول أو الطلب لمبلغ من المال أو منفعة مادية أو معنوية.
2_ الاختلاس وهي من الجرائم التي تقع على المال العام أو مخصص للنفع العام، وهو إثراء غير مشروع يمثل اعتداء وتهديد لأموال الدولة التي تمكنها من تنفيذ خططها الاقتصادية والاجتماعية.
الأركان العامة لجرائم المال العام
1_ الركن المادي لجرائم المال العام
هو كل فعل أو امتناع عن فعله من شأنه إلحاق الضرر بالمال العام، وعناصر هذا الركن هي:
الفعل الجرمي : وهو الذي يصدر عن الموظف العام أو من في حكمه، بما تتيحه له وظيفته أو صفته من سلطات بشكل يحصل منه على المال أو غيره، سواء كان هذا التصرف مخالفاً أو مطابقاً للقانون [7]، ومن الأمثلة على السلوك الجرمي في جرائم الأموال قيام الموظف بسرقة الأموال أو التزوير أو استغلال وظيفته والاستغلال يشمل عدة صور منها ما يتعلق باستغلاله الوظيفة أو الصفة وواجباتها، وذلك من خلال أداء الواجبات أو الامتناع عن أدائها، أو كان استغلالاً للنفوذ التي تمنحه إياها الوظيفة.
النتيجة الجرمية: إن النتيجة الجرمية في جرائم الأموال تتمثل بحصول الموظف على المال نتيجة لاستغلال وظيفته أو صفتها.
العلاقة السببية: يلزم تجريم الموظف العام بإحدى جرائم المال العام أن يكون سلوكه الجرمي المتمثل بالفعل أو الامتناع هو من أداء إلى تحقيق النتيجة الجرمية وهي الحصول على المال.
2_ الركن المعنوي لجرائم المال العام
يقصد بالركن المادي في جرائم المال العام هو القصد الجرمي والذي لا بد من توافره لقيام مسؤولية الموظف العام عن جريمة من جرائم الاعتداء على المال العام، فجرائم الواقعة على المال العام جرائم قصدية ولا تقوم على الخطأ غير المقصود، ويقصد بالقصد الجرمي للموظف العام هو أن تتجه نيته إلى استغلال وظيفته للحصول على مال يعلم بأنه ليس من حقه الحصول عليه كعلمه باستغلال وظيفته.
3_ الركن الخاص في جرائم المال العام
إن جرائم المال العام تصدر عن الموظف العام وصفة الموظف العام عامة تشمل كل موظف في الدولة بغض النظر عن درجته الوظيفية وبغض النظر عن طبيعة عمله ونوع العمل، سواءً كان دائماً أو مؤقتاً، يومياً أو شهرياً أو بعقد أو كان مستخدماً، فلا عبرة للصفة الوظيفية وإنما أن يكون موظف فقط، وينطبق وصف الموظف العام على كل من موظفي البنوك وشركات المساهمة ومؤسسات الإقراض المتخصصة[8]، فوصف الموظف العام جاء لإسباغ الحماية على المال العام لا لتحديد صفات موظفين بعينهم.
ماهية الجرائم الاقتصادية
حدد المشرع الأردني الجرائم التي تقع على المال العام والتي تعتبر من الجرائم الاقتصادية وذلك في قانون الجرائم الاقتصادية إلا أنه لم يضع تعريف محدد للجرائم الاقتصادية، إلا أنه هناك بعض الاجتهادات الفقهية التي عرفت الجريمة الاقتصادية ومن هذه التعريفات:
هو كل فعل أو امتناع تم النص على تجريمه في قانون خاص بالجرائم الاقتصادية أو في قانون العقوبات أو في غيرها من القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية وذلك استناداً إلى سياسة التجريم الاقتصادي التي تتبعها كل دولة [9].
كما عُرفت الجريمة الاقتصادية على أنها: كل نشاط فعل أو امتناع له مظهر خارجي غير مشروع ذا طابع خاص صادر عن إرادة آثمة قبل شخص طبيعي أو شخص معنوي يرتكب بالوسائل الاقتصادية أو المستحدثة يلحق الضرر أو يهدد بالخطر تم النص على تجريمه في قانون خاص بالجرائم ذات الأثر الاقتصادي أو في قانون العقوبات أو في غيرها من القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية ينطوي المساس بملكية المال العام للدولة وإدارته مما يترتب أحياناً أضراراً بالاقتصاد الوطني يرتب له القانون جزاءً جنائياً أو تدبيراً احترازياً [10].
ونحن بدورنا نعرف الجريمة الاقتصادية بتعريف بسيط هو كل سلوك جرمي يتمثل بالفعل أو الامتناع عنه واقع على المال العام بصورة ضرر، فهو يعد جريمة اقتصادية ينطبق عليها قانون الجرائم الاقتصادية الأردني، ولا يمكننا أعطاها الجريمة الاقتصادية تعريف محدد لأن معاير اعتبار الجريمة اقتصادية أو غير اقتصادية تختلف من دولة إلى آخرى، فالمعيار السليم لاعتماد تعريف الجريمة الاقتصادية هو المعيار التشريعي لكل دولة.
العلاقة بين الجريمة الاقتصادية والمال العام
كل اعتداء على المال العام يكون من الجرائم الاقتصادية سواءً كانت هذه الجريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانون الجرائم الاقتصادية أو أي تشريع آخر نص على جرائم تتعلق بالمال العام على أنها من الجرائم الاقتصادية مثل قانون العقوبات حيث ينص على الجرائم المخلة بالواجبات الوظيفية وجرائم المال العام، فإي جريمة محلها المال العام هي جريمة اقتصادية سنداً للفقرة أ من المادة الثالثة من قانون الجرائم الاقتصادية.
الجرائم الاقتصادية
سنداً للمادة الثالثة من قانون الجرائم الاقتصادية فإن الجرائم الاقتصادية هي:
1_ أي جريمة تطبق عليها أحكام قانون الجرائم الاقتصادية.
2_ أي جريمة نص قانون خاص على اعتبارها جريمة اقتصادية.
3_ أي جريمة تلحق الضرر بالمركز الاقتصادي للمملكة.
4_ أي جريمة تخل بالثقة العامة بالاقتصاد الوطني أو العملة الوطنية أو الأسهم أو السندات أو الأوراق المالية المتداولة أو إذا كان محلها المال العام.
5_ الجرائم المتعلقة بالمال العام والمنصوص عليها في قانون العقوبات وهي:
1_ جرائم المتعهدين.
2_ جرائم النيل من مكانة الدولة.
3_ جرائم تخريب إنشاءات المياه العمومية.
6_ الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات والتي تلحق الضرر بالمركز الاقتصادي للمملكة ، أو بالثقة العامة بالاقتصاد الوطني أو العملة الوطنية أو الأسهم أو السندات أو الأوراق المالية المتداولة مثل:
جرائم الحريق وطرق النقل والمواصلات والغش والتي تشكل خطرا شاملا، الجرائم المتعلقة بالثقة العامة (تزييف النقود والمسكوكات والطوابع)، الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة (الرشوة والاختلاس واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة)، جرائم التزوير، جرائم السرقة والاحتيال وإساءة الائتمان، جرائم الغش في نوع البضاعة والمضاربات غير المشروعة والإفلاس.
الإجراءات التي نص عليها قانون الجرائم الاقتصادية لحماية المال العام
لقد حمى قانون الجرائم الاقتصادية المال العام من خلال نصه على عقوبات إضافية غير تلك المنصوص عليها في قانون العقوبات ونص على الإجراءات التحفظية التي تفرض على مرتكب تلك الجرائم كما سنرى من خلال هذا المقال.
سرعة إجراءات المحاكمة في الجرائم المتعلقة بالمال العام
نص قانون الجرائم الاقتصادية على إجراءات المحاكمة التي تتسم بالسرعة وذلك لتأكيد على أهمية حماية المال العام، فالمحكمة تنظر في القضية خلال مدة عشر أيام من تاريخ ورودها الهيا ، ولا يجوز تأجيل المحاكمة لأكثر من ثلاثة أيام إلا عند الضرورة ويجوز أن تعقد جلساتها خارج أوقات الدوام الرسمي، فهذا الإجراءات تدل على أهمية المال العام وضرورة المحافظة عليه وضرورة سرعة محاسبة مرتكبي الجرائم الواقعة عليه، وفيما يتعلق بقرار المحكمة فيجب أن يصدر خلال مدة ثلاثة أسابيع من تاريخ ختام المحاكمة فيها ولها تأجيل إصدار القرار لمرة واحدة فقط ولمدة لا تزيد عن عشرة أيام.
الإجراءات التحفظية التي تتسم بالشدة
فرض المشرع الأردني على مرتكبي جرائم المال العام مجموعة من الإجراءات التحفظية تضمن محاسبة ومعاقبة مرتكبي هذه الجرائم، وتعد هذه الإجراءات بمثابة رسالة واضحة لكل من تراوده شكوك حول شدة إجراءات المحاكمة لتكون بذلك رادع لكل من يفكر بارتكاب أي جريمة من جرائم المال العام، وقد أعطى المشرع لكل من النيابة العامة أو المحكمة بعد أن تصبح الدعوى منظورة أمامها الحق في اتخاذ أي من الإجراءات التحفظية التالية وهي :
الحجز على أموال مرتكبي الجريمة الاقتصادية وحظر التصرف فيها ومنعه من السفر، الحجز على أموال أصوله وفروعه وحظر التصرف فيها متى كان هناك ضرورة لذلك، وجواز منع منهم من السفر لمدة لا تتجاوز ثلاثة اشهر وتمديدها بقرار من المحكمة لمدة ثلاثة اشهر قابلة للتجديد اذا استدعت الضرورة ذلك، كف يد مرتكب الجريمة عن العمل للمدة التي تراها المحكمة أو النيابة العامة وذلك حسب مقتضى الحال، وذلك سنداً للبند أ من المادة التاسعة من قانون الجرائم الاقتصادية.
حق النيابة العامة بوقف ملاحقة مرتكبي جرائم المال العام وعقد الصلح معهم ضمن شروط
من الإجراءات التي نص عليها قانون الجرائم الاقتصادية والتي تؤكد على ضرورة المحافظة على المال العام والحرص على إعادته هو إجراء وقف ملاحقة مرتكبي أي من جرائم الأموال بل وعمل صلح معه وذلك في حال إذا أعاد، كليا، الأموال التي حصل علها نتيجة ارتكاب الجريمة أو أجرى تسوية عليها، إلا أن هذا القرار الصادر عن النيابة العامة لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد الموافقة عليه من قبل لجنة قضائية برئاسة رئيس النيابات العامة وعضوية كل من : قاضي تمييز يختاره رئيس المجلس القضائي والوكيل العام وذلك بعد سماع راي النائب العام، سنداً للبند ب من المادة التاسعة من قانون الجرائم الاقتصادية.
ويستثنى من وقف الملاحقة كل من على الموظفين العموميين العاملين في السلك الإداري أو القضائي أو البلدي، وضباط الأجهزة الأمنية أو العسكرية أو أي من أفرادها، وكل عامل أو مستخدم في الدولة أو في إدارة عامة.
الحجز التحفظي على أموال الغير
إذا تبين للنيابة العامة أو المحكمة أن المال قد تم الحصول عليه نتيجة ارتكاب أي جريمة منصوص عليها في قانون الجرائم الاقتصادية فلهم أن يحجزوا مال الغير حجز تحفظي لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر قابلة للتمديد بقرار من المحكمة، سنداً للبند ج/ 1 من المادة التاسعة.
ماذا إذا امتنع حائز المال عن إعادته؟
على النائب العام الطلب من المحكمة اتخاذ القرار برد ذلك المال أو بمصادرته.
النتائج المترتبة على إجراءات الحجز التحفظي
1_ وقف جميع الإجراءات والمعاملات الجارية على المال محل الحجز وذلك في مواجهة الحاجزين أو الراهنين الآخرين.
2_ حق النيابة العامة حق امتياز على الأموال المحجوزة والتي تم الحصول عليها نتيجة لارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانون الجرائم الاقتصادية باستثناء الرهونات السابقة على إجراء الحجز التحفظي على تلك الأموال[11] .
3_ للمحكمة أن تقرر مصادرة الأموال التي يتم الحصول عليها نتيجة لارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في قانون الجرائم الاقتصادية أو أن تقرر ردها لأصحابها وتعتبر التضمينات والأموال المصادرة والغرامات والنفقات التي تقرر المحكمة الحكم بها أموالاً عامة يتم تحصيلها بموجب قانون تحصيل الأموال العامة أو قانون صيانة أموال الدولة أو أي تشريع آخر يحل محل أي منهما ولها أن تقضي برد الأموال إلى أصحابها [12].
4_ يتولى النائب العام تنفيذ أحكام المصادرة والتضمين والغرامات والنفقات وتحصيلها وتوزيعها على أصحابها، وله الاستعانة بذوي الخبرة والاختصاص إذا اقتضت الضرورة ذلك، سنداً للفقرة و/3 من المادة 9 من قانون الجرائم الاقتصادية.
حماية المال العام من خلال فرض عقوبات إضافية
بالإضافة إلى الإجراءات القضائية والتحفظية المتمثلة بالحجز التحفظي والمنع من السفر والتي نص عليها قانون الجرائم الاقتصادية لحماية المال العام واستعادته حال الاعتداء عليه، فقد نص المشرع الأردني على عقوبات إضافية على مرتكبي الجرائم الاقتصادية بالإضافة إلى تلك العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات الأردني والمتعلقة بالجرائم الاقتصادية، ومن هذه العقوبات:
1_ تحميل مرتكب الجريمة الاقتصادية الواقعة على المال العام مقدار المبالغ التي حصل عليها نتيجة لارتكاب الجريمة، بالإضافة إلى النفقات القضائية والإدارية التي ترتبت عليها، وذلك سنداً للمادة 4 / أ من قانون الجرائم الاقتصادية.
فقد جاء في قرار لمحكمة التمييز الأردنية: على مرتكب الجريمة …… أن يعوض الدائرة أو المؤسسة العامة التي نقصت ذمتها المالية بما يعادل المبالغ المختلسة منها على اعتبار أن ذلك من قبيل الإلزام المدني ومن قبيل الرد وجبر الضرر الذي يلحق بالجهة المجني عليها وهذا يعني أنه كان على المحكمة المطعون في قرارها أن تحكم بالإضافة للعقوبة الأصلية الوضع بالأشغال المؤقتة والغرامة قيمة ما اختلس ورد المبالغ المختلسة أو المؤسسة التي نقصت ذمتها المالية نتيجة الأفعال التي اقترفها المميز ضده[13].
2_ عزل الموظف العام مرتكب الجريمة الاقتصادية عن عمله حكماً ومن تاريخ اكتساب الحكم الدرجة وذلك وفقاً لأحكام العزل من الوظيفة التي نص عليها نظام الخدمة المدنية رقم 9 لسنة 2020 وذلك في نص المادة 172 منه، وذلك في حال حكم عليه من محكمة مختصة بأي جناية أو بجنحة مخلة بالشرف كالرشوة والاختلاس والسرقة والتزوير وسوء استعمال الأمانة واستثمار الوظيفة والشهادة الكاذبة أو أي جريمة آخرى مخلة بالأخلاق العامة، بالإضافة إلى العزل تحميله غرامة لا تتجاوز المائة دينار.
3_ عدم جواز استعمال المحكمة سلطتها التقديرية لتخفيف العقوبة في حال توافر أحد الأسباب المخففة التقديرية وليست القانونية، وهذا من باب التشديد على مرتكبي جرائم المال العام. وتحقيق الردع العام.
4_ عدم جواز دمج العقوبات في الجرائم الاقتصادية لخطورتها ولتأكيد على حماية المال العام من أي اعتداء وتحقيق الردع العام.
5_ معابة المحرض أو المتدخل بنفس عقوبة الفاعل الأصلي، سنداً للمادة 4 /د من قانون الجرائم الاقتصادية.
6_ إعفاء مرتكب جريمة من جرائم المال العام من العقوبة، سنداً للمادة 7 / أ كل من بادر من الشركاء في الجريمة من غير المحرضين على ارتكابها بتبليغ السلطات المختصة بالجريمة قبل اكتشافها وأدى هذا التبليغ الى رد المال محل الجريمة، إذا حصل التبليغ بعد اكتشاف الجريمة وقبل صدور الحكم النهائي بها وأدى هذا التبليغ الى رد المال فعلى المحكمة أن تقضي بالحد الأدنى للعقوبة ولها الأخذ بالأسباب المخففة، وهذا الإعفاء جاء لتشجيع على حماية المال العام واسترداده.
عدم سريان أحكام التقادم العامة على الجرائم الاقتصادية والعقوبات المفروضة على مرتكبيها
نصت المادة العاشرة من قانون الجرائم الاقتصادية على أنه لا تسري أحكام التقادم على الجرائم المرتكبة خلافا لأحكام هذا القانون ولا يسري هذا التقادم على العقوبات المقررة لها.
والسبب في ذلك هو التشديد على حُرمت وصيانة المال العام والعمل على تحقيق الردع العام وعدم إعطاء الفرصة لمرتكب الجريمة الواقعة على المال العام بالتهرب من المحاسبة وتنفيذ العقوبة المقررة بحقه.
الجرائم الاقتصادية المرتكبة في إحدى الهيئات لمعنوية
حرص المشرع على حرمة المال العام من وضع الأحكام الخاصة بالأفعال التي قد تشكل جرائم اقتصادية إذا ما تم ارتكابها في إحدى الهيئات المعنوية، فإذا ارتكب مدير أي هيئة معنوية أو موظف فيها أو أي من أعضاء مجلس إدارتها أو هيئة مديريها بما في ذلك رئيس المجلس أو الهيئة أو أي من العاملين في الهيئات الواردة في الفقرة ب من المادة 2 من القانون أي جريمة خلافاً لأحكامه وتبين أن الجرم قد ارتكب قصداً فيعاقب وفقاً لأحكام قانون العقوبات، أما إذا كان ارتكاب ذلك الجرم قد تم نتيجة لخطأ جسيم فيعاقب بعقوبة الحبس مدة لا تتجاوز السنتين [14].
من اجتهادات المحاكم الأردنية والمتعلقة بحماية المال العام
الحكم رقم 1098 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية: قانون الجرائم الاقتصادية ينطبق على الجميع سواءً كان الجاني حدث أم بالغ، لا يجوز للمحكمة استعمال سلطتها التقديرية في تخفيض العقوبة.
وحيث إن أموال الجمعيات تعتبر أموالاً عامة والسرقة التي تقع عليها يطبق عليها قانون الجرائم الاقتصادية وذلك وفقاً لما هو وارد بنص المادتين (2/4 و 3/جـ/6) من قانون الجرائم الاقتصادية وذلك بغض النظر عن مرتكبها سواء أكان حدثاً أم بالغاً لأن قانون الجرائم الاقتصادية لم يستثنِ فئة الأحداث من تطبيقاته والغاية من ذلك حماية المال العام.
وحيث إن المادة (4/جـ) من قانون الجرائم الاقتصادية حظرت على المحكمة الأخذ بالأسباب المخففة التقديرية لتنزيل العقوبة عن حدها الأدنى المقرر قانوناً لأي من الجرائم المنصوص عليها بالمادة (3) من هذا القانون فإن قرار محكمة الاستئناف المطعون فيه والحالة هذه يكون واقعاً في محله وما ورد بأسباب التمييز لا يرد عليه مما يتعين ردها.
إعداد المحامية: ليلى خالد.
[1] المادة 53 من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976.
[2] محمد صبحي نجم، شرح قانون العقوبات – القسم العام، دار الثقافة للنشر، عمان، ط4، 1996، ص 17.
[3] أنور المساعدة، المسؤولية الجزائية عن الجرائم الاقتصادية، أطروحة دكتوراة غير منشورة، جامعة عمان العربية للدراسات العليا، عمان، الأردن، 2002، ص 14.
[4] رمضان محمد بطيخ، المال العام، جامعة عين شمس- كلية الحقوق، بحوث ومقالات، 2004، ص 30.
[5] وجدان سليمان أرتيمة، مدى توافق أحكام قانون الجرائم الاقتصادية الأردني رقم 11 لسنة 1993 مع الأحكام العامة للجريمة، بحث منشور، مجلة كلية الشريعة والقانون، الدقهلية، 2017، ص 4067.
[6] أرفيق محمد سلام، الحماية الجنائية للمال العام، دار النهضة القاهرة، الطبعة الثانية، 1994، ص 131.
[7] حسن صادق المرصفاوي، قانون الكسب غير المشروع، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1983، ص 57.
[8] حكم تمييزي، رقم 2800 لسنة 2020، جلسة 23/12/2020، منشور في موقع / https://jordan-lawyer.com/–/
[9] أنور محمد صدقي المساعدة، المسؤولية الجزائية عن الجرائم الاقتصادية، المرجع السابق، ص 105.
[10] محمد خليل والجبرة أو بكر، علي عوض والمجالي، محمد حسين، الأزمة الاصطلاحية للجريمة الاقتصادية في القانون والفقه والقضاء المقارن، بحث منشور، مجلة جامعة الزيتونة، عمان، 2019، ص 20.
[11] أسامة نائل حسين المحسين، الأحكام المستحدثة لحماية المال العام في قانون الجرائم الاقتصادية الأردني رقم 11 لسنة 1993 وتعديلاته، الجمعية العلمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 2023، ص 34.
[12] أسامة نائل حسين المحسين، المرجع السابق، ص 34.
[13] الحكم التمييزي الجزائي رقم 694 لسنة 2021 الصادر بتاريخ 12/7/ 2021.
[14] أسامة نائل حسين المحسين، المرجع السابق، ص 45.

