ضوابط الحصانة الدبلوماسية

ضوابط الحصانة الدبلوماسية

لا شك في أن العمل الدولي والحياة الدولية يتطلب وجود حصانات للأشخاص الذين يعملون في هذا المجال من أجل تسهيل مباشرة أعمالهم في هدوء واستقرار حتى يتمكن أصحاب هذه الحصانات من أداء وظائفهم ومهامهم على الوجه الأكمل، فالحصانة الدبلوماسية هي عنصر الأمان لكافة الوكلاء الدبلوماسيين الذين قد يتعرضون لبعض الضغوطات أو التهديدات التي قد تصل إلى التهديد بتصفيتهم من قِبَل بعض المنظمات الدولية الفاسدة التي تريد إرغامهم على بعض الأفعال وتحميهم أيضًا من المطاردة القانونية في الدول الأجنبية، وسوف نتناول في هذا المقال جميع ما يتعلق بضوابط الحصانة الدبلوماسية على النحو التالي:

أولًا: تعريفات مهمة

ثانيًا: من هم الأشخاص المستفيدون من الحصانة الدبلوماسية

ثالثًا: أنواع الحصانة الدبلوماسية

رابعًا: نطاق الحصانات الدبلوماسية

خامسًا: ما هي أسس الحصانة الدبلوماسية

وسوف نقدم شرحًا تفصيليًا لكل عنصر من العناصر الرئيسية السابقة، فيما يلي:

أولًا: تعريفات مهمة

هناك عدة تعريفات مهمة لا بد من إيضاحها والمرتبطة بموضوع الحصانة الدبلوماسية على النحو التالي:

١. الحصانة الدبلوماسية

هي الامتياز الذي يمنح إلى بعض الناس الذين يعيشون في البلاد الأجنبية، وهو يسمح لهم أن يظلوا خاضعين لسلطة القوانين في بلادهم، فيمنح هذا الامتياز للسفراء أو الوزراء والوكلاء الدبلوماسيين الآخرين ومثل هؤلاء الوكلاء لا يمكن القبض عليهم لمخالفة قوانين البلاد التي يرسلون إليها، ولكن في حالة مخالفتهم القوانين المحلية فإن حكوماتهم قد تطالب باستدعائهم.

٢. الدبلوماسي

“يطلق لفظ دبلوماسي على الشخص الذي يمارس الدبلوماسية كمهنة رسمية سواء بصفة دائمة بحكم مركزه، أو وظيفته، أو بصفة مؤقتة بحكم تكليفه بمهمة خاصة مما يدخل في نطاق الأعمال الدبلوماسية”([1])، ويتمتع هذا الدبلوماسي بالحصانة الدبلوماسية والتي تعني نوعًا من الحصانة القانونية

٣. الدبلوماسية

“هي صفة تخص التمثيل السياسي للبلاد وتصريف شؤون الدولة الخارجية مع الدول الأجنبية وأساليب التعامل السياسي بين البلاد”([2]).

ثانيًا: من هم الأشخاص المستفيدون من الحصانة الدبلوماسية

تستند الحصانة الشخصية في ثبوتها ونفوذها إلى الأساس الذي بنيت عليه الحصانات التي يتمتع بها المبعوثون الدبلوماسيون من حيث توفير الأمان والاستقرار اللازمين للقيام بمهام وظائفهم في جو من الطمأنينة بعيدًا عن مختلف المؤثرات في الدول المعتمدين لديها، والأشخاص المستفيدين من الحصانة الدبلوماسية هم على النحو التالي:

١. المبعوث الدبلوماسي

هو الشخص الذي تكلفه الدولة المعتمدة بالتصرف بهذه الصفة.

 ٢. موظفو البعثة

هم الموظفون الدبلوماسيون ذو الصفة الدبلوماسية.

٣. الموظفون الإداريون والفنيون

هم موظفو البعثة العاملون في خدمتها الإدارية والفنية.

٤. الخدم الخصوصيون

هم الذين يعملون في الخدمة المنزلية لأحد أفراد البعثة ولا يكون من مستخدمي الدولة المعتمدة.

٥. أفراد أسر كل من المبعوث الدبلوماسي والموظفين الدبلوماسيين والإداريين والفنيين

هذه الفئات لا تتمتع بالحصانة الشخصية على قدم سواء، فبعض هذه الفئات يتمتع بحصانة مطلقة نسبيًا، في حين أن البعض الآخر يتمتع بحصانة مقيدة ببعض الشروط المتعلقة بطبيعة أعمالهم ووظائفهم وجنسياتهم.

ثالثًا: أنواع الحصانة الدبلوماسية

يمكننا بيان أنواع الحصانة الدبلوماسية على النحو التالي:

١. الحصانة الشخصية

يقصد بها الحق في الأمان المطلق وفي الحرية دون قيد مع عدم المساس بشخص المبعوث، وقد أشارت إلى هذا المبدأ اتفاقية فيينا في (المادة ٢٩) التي نصت على أنه: “لشخص الممثل الدبلوماسي حرمة، فلا يجوز بأي شكل القبض عليه أو حجزه وعلي الدولة المعتمد لديها أن تعامله بالاحترام اللازم له، وعليها أن تتخذ كافة الوسائل المعقولة لمنع الاعتداء على شخصه أو على حريته أو على اعتباره”.

٢. الحصانة القضائية

يقصد بالحصانة القضائية عدم خضوع السفير أو الدبلوماسي للولاية القضائية للدولة المعتمد لديها، وقد بينت (المادة 31) من اتفاقية فيينا مدى هذه الحصانة القضائية، فنصت على أن المبعوث الدبلوماسي يتمتع بالحصانة القضائية فيما يتعلق بالقضاء الجنائي لدى الدولة المعتمد لديها، وكذلك فيما يتعلق بقضائها الإداري إلا فيما استثني على النحو التالي:

أ. الحصانة من القضاء الجنائي

ويقصد بهذه الحصانة أنه في حالة ارتكاب المبعوث الدبلوماسي لجريمة ما سواء ارتكبها بصفته الشخصية أو الدبلوماسية أو الرسمية؛ فلا يجوز إلقاء القبض عليه ولا محاكمته أو إجباره على المسؤولية أمام المحاكم أو إصدار الحكم بإدانته عن جريمة اتهم بارتكابها.

وتجد الحصانة القضائية الجنائية أساس شرعيتها في إحاطة المبعوث الدبلوماسي بقدر من الحرية والاستقلال لتمكينه من عمله وعلى الدولة المعتمد لديها في حالة ارتكاب المبعوث الدبلوماسي لأي جناية أو جريمة إبلاغ دولته أنه شخص غير مرغوب فيه وتطلب من حكومته سحبه أو إنهاء مهمته، وفي حالة رفض أو تقاعس الدولة الموفدة يجوز للدولة المعتمد لديها أن ترفض الاعتراف به كمبعوث دبلوماسي.

ب. الحصانة من القضاء المدني والإداري

ويقصد بهذه الحصانة إعفاء المبعوث الدبلوماسي من جميع الدعاوى المدنية والإدارية التي تقام ضده، فلا يجوز لمحاكم الدولة المعتمد لديها محاكمته من أجل دين عليه أو منعه من مغادرة بلادها بسبب عدم تسديده لديونه أو مصادرة أمتعته أو ما يملكه ونحو ذلك من إجراءات بسبب الدعاوى المدنية الإدارية، إلا إذا كان الأمر يتعلق بما يأتي:

١. إذا كانت دعوى عينية منصبة على عقار خاص كائن في أراضي الدولة المعتمد لديها إلا إذا شغله الممثل الدبلوماسي لحساب دولته في خصوص أعمال البعثة.

٢. إذا كانت دعوى خاصة بميراث ويكون الممثل الدبلوماسي منفذًا للوصية أو مديرًا للتركة أو وارثًا فيها أو موصى له بصفته الشخصية لا باسم الدولة المعتمدة.

٣. إذا كانت دعوى متعلقة بمهنة حرة أو نشاطًا تجاريًا يقوم به الممثل الدبلوماسي في الدولة المعتمد لديها خارج نطاق أعماله الرسمية، وذلك وفقًا لما جاء في (المادة ٣١) من اتفاقية فيينا ١٩٦١م

٣. الحصانة التنفيذية

يقصد بهذه الحصانة أنه لا يجوز اتخاذ أية إجراءات تنفيذية أمام المبعوث الدبلوماسي إلا في الحالات المنصوص عليها في القضاء المدني والإداري، أي فيما يتعلق بالتشريعات العقارية التي يمتلكها بصفته الشخصية وقضايا الإرث والتركات، وفي حال ممارسته لأي نشاط مهني أو تجاري خاص لدى الدولة المعتمد لديها، وفي جميع الأحوال يحظر المساس بحرمة شخص المبعوث الدبلوماسي أو ممتلكاته أو مكان إقامته.

رابعًا: نطاق الحصانات الدبلوماسية

سوف نوضح النطاق الشخصي والزمني والمكاني للحصانات الدبلوماسية على النحو التالي:

١. النطاق الشخصي

لقد نصت (المادة ٣٧) من اتفاقية فيينا لعام 1961م على أن تشمل الحصانات الدبلوماسية الفئات التالية، بشرط ألا يكونوا من مواطني الدولة المضيفة أو من المقيمين فيها إقامة دائمة، وهم:

أ. أفراد أسرة المبعوث الدبلوماسي الذين يعيشون معه في نفس المسكن.

ب. أعضاء الطاقم الإداري والطاقم الفني للبعثة، وكذلك أعضاء أسرهم الذين يعيشون معهم في نفس المسكن.

ت. أفراد طاقم الخدمة الذين ليسوا من رعايا الدولة المعتمدين لديها أو من المقيمين فيها إقامة دائمة يتمتعون بالحصانة بالنسبة للتصرفات التي تحدث منهم أثناء تأدية أعمالهم، ويعفون من الضرائب والرسوم عن مرتباتهم التي يتقاضونها في وظائفهم

ث. الخدم الخاضعون لأعضاء البعثة الذين ليسوا من رعايا الدولة المعتمد لديها والذين لا يقيمون فيها إقامة دائمة يتمتعون بالإعفاء من الضرائب والرسوم عن مرتباتهم التي يتقاضونها عن خدمتهم، وفي كل الحالات لا يتمتعون بمزايا أو حصانات إلا في الحدود التي تقررها الدولة المعتمد لديها، كما أن للدولة المعتمد لديها أن تستعمل حق ولايتها على هؤلاء الأشخاص على ألا يعوق تلك البعثة عن أداء أعمالها.

كما لا يتمتع المستخدمون المحميون والخدم الخاصون ممن يحمون جنسية الدولة المضيفة، أو من المقيمين فيها إقامة دائمة بالامتيازات والحصانات، إلا بالقدر الذي تقرره سلطات هذه الدولة، شريطة مراعاة عدم تدخلها الزائد في أداء وظائفهم.

٢. النطاق الزمني

لقد نصت (المادة ٣٩) من اتفاقية فيينا لسنة ١٩٦١م على أن: “يتمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانات بمجرد وصوله إلى إقليم الدولة المعتمد لديها بقصد الوصول إلى مقر عمله، أما إذا وجد في تلك الأراضي فمن وقت تبليغ وزارة الخارجية بتعيينه أو بتبليغ أي وزارة أخرى متفق عليها”.

وعندما تنقضي مهمة شخص من الذين يتمتعون بالمزايا والحصانات تنتهي عادةً هذه المزايا والحصانات من وقت مغادرة هذا الشخص لأراضي الدولة المعتمد لديها أو عند انتهاء المهلة المعقولة التي تمنح له لهذا السبب، وتشدد الدول في حال قطع العلاقات الدبلوماسية، حيث تمنح المبعوث الدبلوماسي غالبًا فترة لا تتجاوز يومين أو أسبوع لمغادرة أراضي الدولة المعتمد لديها؛ وبالتالي انتهاء تمتعه بالحصانات والامتيازات الدبلوماسية.

أما “إذا توفي عضو من البعثة ليس من جنسية الدولة المعتمد لديها أو لم يكن فيها مكان إقامته الدائمة أو أحد أفراد أسرته المقيمين معه تسمح الدولة المعتمد لديها بسحب الأموال المنقولة للمتوفى مع استثناء تلك التي حازها أثناء معيشته فيها وتلك التي تحرم قوانينها تصديرها وقت الوفاة، ولا تحصل ضرائب ميراث على المنقولات التي كان سبب وجودها في الدولة المعتمد لديها هو وجود المتوفى في هذه الدولة كعضو في البعثة أو كفرد من أفراد أسرة عضو البعثة”، وذلك وفقًا لما جاء في (المادة ٣٩) من اتفاقية فيينا لسنة ١٩٦١م.

٣. النطاق المكانـي

لقد نصت (المادة ٤٠) من اتفاقية فيينا لسنة ١٩٦١م على أنه: “إذا مر الممثل الدبلوماسي أو من وجد في أراضي دولة ثالثة منحته تأشيرة على جواز سفره إذا كان ذلك ضروريًا بغية الذهاب لتولي مهام عمله أو اللحاق بمنصبه أو العودة لبلاده تمنحه الدولة الثالثة الحرمة وكل الحصانات اللازمة التي تمكنه من المرور أو من العودة، كما تعامل نفس المعاملة أعضاء أسرته المرافقين له الذين يتمتعون بالمزايا والحصانات أو الذين يسافرون منفردين عنه للحاق به أو للعودة لبلادهم، كما لا يجوز للدولة الثالثة إعاقة المرور عبر أراضيها بالنسبة لأعضاء الطاقم الإداري أو الفني أو لطاقم الخدمة للبعثة أو لأفراد أسرهم، وكذلك توفير كل التسهيلات لمرور الحقائب الدبلوماسية والمراسلات الرسمية، ومنحها الحصانة والحماية اللازمة”.

خامسًا: ما هي أسس الحصانة الدبلوماسية

قد اختلف فقهاء القانون حول الأسس والمبررات التي على أساسها تم منح المبعوثين الحصانات الدبلوماسية، ويمكن حصرها في ثلاث نظريات على النحو التالي:

١. نظرية الامتداد الإقليمي

تقوم هذه النظرية أن مقر البعثة الدبلوماسية الذي تمارس فيه الأعمال الوظيفية امتدادًا لإقليم الدولة التي يمثلها المبعوث الدبلوماسي، أي أن المبعوث الدبلوماسي يقيم في إقليم الدولة التي اعتمد لديها بصورة فعلية، ولكنه يجب أن يعتبر أنه لا يزال مقيمًا في إقليم الدولة التي أوفدته؛ ولهذا يمكن تبرير عدم خضوع الممثل الدبلوماسي لقانون الدولة المضيفة، غير أن هذه النظرية تعرضت لانتقادات واعتراضات مما أدى إلى استبعادها كأساس صحيح يمكن الاستناد لتبرير إليه الحصانات الدبلوماسية، ومنها التالي:

أ. التناقض

ويظهر التناقض في افتراض وجود المبعوث الدبلوماسي في مكانين في وقت واحد، وهما الدولة المعتمد لديها على أساس فعلي ودولته التي ينتمي إليها على أساس افتراضي؛ ولهذا اعتبر بعض الباحثين هذه النظرية خيالية لتناقضها مع الواقع المادي الجغرافي.

ب. عدم الملاءمة للواقع الفعلي والأوضاع الجارية

“فمن المتفق عليه أنه يتعين على المبعوث الدبلوماسي التزام لوائح الشرطة في الدولة المبعوث لديها، وأن عليه دفع رسوم محلية معينة تمثل خدمات فعلية يحصل عليها، وأن تصرفاته التجارية تخضع للقوانين السارية في البلد الذي يقيم فيه فعلًا، فالأخذ بنظرية امتداد الأقاليم لا يتناسب مع الأوضاع الجارية ومبدأ سيادة الدولة على إقليمها”([3]).

٢. نظرية الصفة التمثيلية

“وتستند هذه النظرية إلى طبيعة الدور الذي يقوم به الممثل الدبلوماسي كوكيل لدولة ذات سيادة وبالتالي تتمتع تصرفاته الرسمية وغيرها بالحصانة لأنها تصرفات دولة أجنبية ذات سيادة”([4]).

ولكن تعرضت هذه النظرية للنقد لتعارضها مع سيادة الدولة المعتمد لديها؛ لأنها لو صدقت في حالة الحصانة خلال العمل الرسمي، فلا تصدق على الحصانة الشخصية التي يتمتع بها الدبلوماسي خارج نطاق عمله.

٣. نظرية مقتضيات الوظيفة

وتقوم هذه النظرية على مبدأ متطلبات الوظيفة والضرورات العملية اللازمة لأداء الوظائف الدبلوماسية على أحسن وجه، فالحصانات التي يتمتع بها المبعوثون الدبلوماسيون ضرورة يقتضيها قيامهم بمهام وظائفهم في جو من الطمأنينة بعيدًا عن مختلف المؤثرات في الدول المعتمدين لديها.

وقد استحسن الأخذ بهذه النظرية؛ لأنها أكثر النظريات مسايرة لمنطق الأمور وأشملها وتتماشى مع الاتجاهات الحديثة في القانون الدولي المعاصر، وتبنت هذه النظرية اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961م، حيث جاء في مقدمتها: “إن الحصانات المذكورة ليس الغرض منها تمييز أفراد، وإنما تأمين أداء البعثات الدبلوماسية لأعمالها على أفضل وجه كممثلة لدولها”.

إعداد/ محمد محمود

([1]) د. عاطف فهد المغازيري، الحصانة القضائية، (ص٢٩).

([2]) د. وليد علي حبيب الياسري، الحصانة القضائية للمبعوثين الدبلوماسيين في البعثات الدبلوماسية الخارجية، (ص٤).

([3]) د. معن إبراهيم جبار شلال حبيب، الحصانات الخاصة لمقر البعثة والاستثناءات الواردة عليها في اتفاقية فيينا، رسالة ماجستير، (ص٦١).

([4]) د. البكري، العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، (ص ١٠٣).

Scroll to Top