عدالة توزيع الدخول
لا جدال أن مسألة تفاوت توزيع الدخول بين الأفراد في المجتمع، كانت ولا تزال محل اهتمام كافة أطياف المجتمع وصنوفه على مر الأزمان، فلم تخل التشريعات السماوية أو الوضعية من وضع وتحديد السبل والوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق مبدأ العدالة في توزيع الدخول على نحو يضمن للمجتمعات قدراً من الاستقرار والطمأنينة عن طريق تضييق الفجوة بين فئات المجتمع.
وسوف نناقش في مقالنا هذا مسألة تفاوت توزيع الدخول بين الأفراد في العصر الحديث بالترتيب الآتي:
ثانياً : مفهوم وطرق توزيع الدخل :
ثالثاً: أسباب التفاوت في توزيع الدخول:
رابعاً: وسائل قياس درجة عدالة توزيع الدخول:
خامساً: معامل قياس التفاوت في توزيع الدخول:
سادساً: الفساد وعدم العدالة في توزيع الدخول:
أولاً : النظرة التاريخية :
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وإدراك العالم بأن الجانب الاقتصادي هو العمود الفقري لأي دولة، وذلك بخلاف الفكرة التي كانت سائدة قبل ذلك، والتي كانت تنظر للقوة العسكرية باعتبارها مقياس التقدم والتطور، اتجه المفكرين الاقتصاديين لدراسة الدخل القومي وقياس مدي تفاوت توزيع الدخول بين أفراد المجتمع الواحد وأثر ذلك علي المجتمع ككل، وأصبح لذلك الموضوع أهمية قصوي فيما بين السياسيين والاقتصاديين، وهو ما دفع علماء الإحصاء والاقتصاد لبذل حثيث جهدهم في إيجاد واستخراج قوانين يستطيعوا عن طريقها قياس التفاوت في توزيع الدخول بين الأفراد.
وكان من أوائل هذه القوانين قانون باريتو وهو قانون بسيط فحواه أنه كلما ازداد الدخل كلما زاد التفاوت في توزيع الدخول، وبالتالي نقصان العدالة في توزيع الدخول، وتبع ذلك القانون قوانين عدة مثلت الأهمية والتطور الذي لحق عملية محاولة قياس مدي التفاوت في توزيع الدخول بين الأفراد.
ثانياً : مفهوم وطرق توزيع الدخل :
1- مفهوم توزيع الدخل:
المقصود بتوزيع الدخل هو تحديد حصة كل عنصر إنتاج ومساهمته في تكون هذا الدخل[2]، وببساطة شديدة هو توزيع ما تم إنتاجه على العناصر التي ساهمت فيه، ويعد ارتفاع دخل الفرد دلالة على تطور وتقدم الدولة اقتصادياً، وعلى أساس متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي يُقاس غني الدول وفقرها، ويتم قياس ذلك عن طريق قسمة الدخل القومي على عدد السكان، وكلما زاد عدد السكان بالطبع كلما أرتفع متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي.
بيد أن ارتفاع متوسط دخل الفرد لا يعني بالضرورة توافر العدالة في توزيع الدخول، لأنه قد يتركز جزء كبير من الثروة في يد عدد قليل من الأفراد وهو ما ينعكس بدوره بالسلب على مبدأ العدالة في توزيع الدخول، والذي لا يمكن تحقيقه على نحو مثالي لأن التفاوت بين الأفراد من سنن الكون وقوانين الحياة، وكل ما هنالك هو الحد من هذا التفاوت وجعله في منطقة متوسطة.
2- طرق توزيع الدخل:
يوجد مفهومين شائعين لتوزيع الدخل وهما التوزيع الشخصي للدخل والتوزيع الوظيفي، ويضيف البعض مفهوم أخر وهو الحصص التوزيعية وسوف نتناول هذه الطرق الثلاث على التوالي:
أ- التوزيع الشخصي :
ويتعلق بحجم الدخل الذي يحصل عليه الفرد دون الاهتمام بمصدر هذا الدخل سواء أكان أجر، أو ريع، أو فائدة، أو غير ذلك، فهو يقارن بين نصيب كل مجموعة أفراد أو أسر من الدخل القومي، وبين الأهمية العددية لهؤلاء الأفراد أو تلك الأسر من إجمالي عدد الأفراد أو الأسر وذلك بالنسبة لجميع فئات الدخل القومي.
ب- التوزيع الوظيفي :
يتعلق التوزيع الوظيفي للدخل بعوامل العملية الإنتاجية المتمثلة في الإنتاج والعمل ورأس المال والأرض، فهو يهتم بالكيفية التي يحصل بها الفرد على نصيبه من الدخل، فيقارن بين نسبة نصيب الأجور ونسبة عوائد باقي عناصر العملية الإنتاجية.
جـ – الحصص التوزيعية :
ترتبط الحصص التوزيعية بالحصص النسبية التي يحصل عليها كل عنصر من عناصر الإنتاج من الدخل القومي وتتشابه هذه الطريقة كثيراً مع التوزيع الوظيفي مما جعل الاقتصاديين لا يفرقون بينهما في الكثير من الأحيان.
ثالثاً: أسباب التفاوت في توزيع الدخول:
ترجع أسباب التفاوت وعدم العدالة في توزيع الدخول لعوامل عدة، منها ما يتعلق بالأفراد أنفسهم ومنها ما يتعلق بالإقليم الذين يقيمون فيه، ويمكن أن نجمل أهم هذه العوامل فيما يلي:
- تعداد السكان ( العائلة والفرد ).
- عدم تناسب توزيع الثروة، فقد تتركز في يد أفراد قلة.
- القوة السوقية، والتي تساعد على احتكار بعض الصناعات لصالح قلة من الأفراد.
- السياسة المالية في الدولة والقطاع الاقتصادي خاصة.
- النظم الضريبية الفئوية أو المتحيزة.
- البطالة باعتبار أن العاطل مُعال اقتصادياً.
- تفاوت السمات الشخصية كالذكاء والموهبة ودورها في تفاوت الدخول.
- معدل أعمار السكان، فكلما زاد عدد السكان غير القادرين على العمل كالأطفال تحت سن 15 سنة وكبار السن كلما قل الناتج القومي وانحصرت الدخول في الفئة القادرة على العمل.
وينتج عن هذا التفاوت في توزيع الدخول بين أفراد المجتمع الواحد، وجود شريحة كبيرة في المجتمع تعاني من انخفاض في المستوي المعيشي، خاصة أصحاب الدخول الثابتة، واتساع الفجوة بين فئات المجتمع مما يربك النظام الاجتماعي.
هذا فضلاً على تأثر النمط الاستهلاكي للأفراد فيقبلون على شراء سلع ويعزفون عن شراء سلع أخرى وذلك نتاج فقدان العقلانية في اختيار السلع المناسبة، وهو ما يترتب عليه ارتفاع نسب الفساد والرشوة في المجتمعات، وارتفاع معدلات ارتكاب الجرائم.
رابعاً: وسائل قياس درجة عدالة توزيع الدخول:
يوجد وسائل مختلفة لقياس التفاوت في توزيع الدخول منها حساب متوسط الأجور والأرباح في الأنشطة الاقتصادية، وحساب النسبة المئوية التراكمية وسوف نناولهما على النحو التالي:
1- حساب متوسط الأجور والرباح في الأنشطة الاقتصادية:
خلاصة هذه الطريقة هو حساب متوسط الأرباح التي يتم دفعها للأفراد وكذلك حساب متوسط الأجور في كافة القطاعات الاقتصادية، ويتم تنظيم الجداول الخاصة بهذه المتوسطات تصاعديا أو تنازلياً مع عدد الأفراد الداخلين في كل فئة من الفئات.
وإن كانت هذه الطريقة بسيطة وسهلة إلى حد ما في قياس التفاوت في توزيع الدخول، إلا أنه يُعاب عليها أنها لا تتمكن من قياس درجة التفاوت ضمن القطاع الواحد.
2- حساب النسبة المئوية التراكمية:
وهذه الطريقة تكون بقياس نسب دخول عدد من العائلات أو الأفراد ابتداءً من الفئات ذات الدخول المنخفضة وصولاً للفئات صاحبة الدخول الأعلى، وبذلك يتكون جدول بواسطته يتم قياس درجة التفاوت في توزيع الدخول عن طريق النسبة المئوية التي تحصل عليها كل فئة من فئات أصحاب الدخول.
خامساً: معامل قياس التفاوت في توزيع الدخول:
حاول علماء الاقتصاد والإحصاء إيجاد قوانين يقاس بموجبها درجة التفاوت في توزيع الدخول ونتج عن هذه المحاولات أن تعددت القوانين التي يمكن من خلالها قياس درجة التفاوت في توزيع الدخول، وليس مقصود العلماء في هذا المجال هو التوصل إلى إنهاء التفاوت في توزيع الدخول، وإنما فقط الوصول إلى مرحلة متوسطة أو مقبولة من التفاوت في توزيع الدخول، فلا يمكن أن يتساوى العالم والجاهل، العامل والعاطل.
لذا فلابد من أن يكون هناك تفاوت في توزيع الدخول لتفاوت القدرات الذهنية والعقلية للأفراد، ولقياس درجة التفاوت في توزيع الدخول ابتكر علماء الاقتصاد والإحصاء الطرق الآتية :
1- منحنى لور نزو (Lorenzo Curve):
يسمي هذا المنحنى نسبة إلى أول من أستخدمه وهو الإحصائي الأمريكي لورنزو ( M.O.Lorenzo ) ويعتبر في الوقت الحالي من أكثر الأشكال البيانية استخداماً في قياس مدي قياس درجة التفاوت في توزيع الدخول أو الثروة أو غير ذلك.
وفي هذا المنحنى يوجد حالتان للقول بتوافر العدالة في توزيع الدخول، أولهما تكون المساواة كاملة بنسبة 100% في حالة وقوع المنحني على خط المساواة وخط التوزيع الأمثل، وبالطبع يمكننا القول بأنه لا توجد مساواة بهذه النسبة أو على الأقل يندر حدوث ذلك، والعكس صحيح فكلما ابتعد منحني لورنزو عن خط المساواة فإن ذلك دليل على سوء التوزيع في الدخول والبعد عن العدالة في توزيع الدخول .
2- معامل جيني:
ينسب هذا المعامل إلى عالم الرياضيات الإيطالي ( جيني ) والذي ابتكره معتمداً على منحنى ( لورنزو )، وهو مقياساً جبرياً لقياس درجة التفاوت في توزيع الدخول، وهذا المعامل هو الأكثر انتشاراً واستخداماً لقياس التفاوت ويرجع ذلك لعدة اعتبارات تتمثل في ارتباطه بمنحنى ( لورنزو ) وأيضاً ارتباطه بالعديد من المقاييس المستخدمة في قياس التفاوت والرفاهية الاقتصادية.
وتتراوح قيم معامل جيني ما بين الصفر الذي يمثل العدالة التامة في توزيع الدخول، والواحد الصحيح أو 10% أو 100% والتي تمثل الحالة القصوى في سوء توزيع الدخول.
ويوجد أيضاً طرق أخرى لقياس ذلك التفاوت مثل:
- معامل الاختلاف.
- معامل كوزنتز.
- مؤشر الرفاهية الاقتصادية.
سادساً: الفساد وعدم العدالة في توزيع الدخول:
مما لا شك فيه أن التفاوت في توزيع الدخول أحد الأسباب الرئيسية لظهور الفساد في المجتمعات بصوره وأشكاله المختلفة، ودائماً ما يتحمل أصحاب الدخول المنخفضة العبء الكبير من الفساد حيث يدفعون نسبة أعلي من دخولهم في صورة رشاوي، وذلك مقارنة بأصحاب الدخول المرتفعة، ويشوه الفساد بطريقة غير مباشرة سياسات إعادة التوزيع التي تقوم بها الحكومات مثل مخصصات الدعم، وبرامج التعليم، والخدمات الصحية، والتي تستهدف دائماً الفئة صاحبة الدخل الأدنى.
وتوجد أمثلة متعددة لذلك منها :
- عام 2011 دفع إقليم السند في باكستان ما يعادل 2 مليون دولار أمريكي لمدارس وهمية لا وجود لها.
- في الفترة من 2005 – 2009 فقد ما يعادل 48 مليون دولار أمريكي من برنامج دعم قطاع التعليم في كينيا.
- في فيتنام وصلت الرشاوي إلى 3 آلاف دولار لتأمين مقعد للطفل في مدرسة ابتدائي مميزة، ومن 300- 800 دولار في مدرسة متوسطة.
وبهذه الطريقة يصبح المستفيد من هذا الفساد هم متلقي الرشوة من موظفي القطاع العام أو الخاص، ويترتب على ذلك زيادة في ثروات هؤلاء العاملين الذين يحصلون على القدر الأكبر من المنافع ويتضح تأثير ذلك في الآتي:
- تخفيض النمو الاقتصادي نتيجة سوء توزيع الدخول وازدياد معدلات الفقر.
- تقليص حجم البرامج الاجتماعية التي تستهدف الفقراء ومنخفضي الدخل.
- الإنفاق الاجتماعي من جانب الدولة.
إعداد/ رفعت حمدي عبد الغني المحامي .
د/ يونس علي أحمد، تحليل وقياس الرفاهية وعلاقتها بعدالة توزيع الدخل في مدينة كركوك سنة 2009، مجلة الإدارة والاقتصاد، العدد الثالث والثمانون 2010 ص 285 وما بعدها.
د/ خالد البنداري، تأثير التفاوت في توزيع الدخول على التنمية المستدامة في الدول العربية ، مجلة النهضة عدد 3، جامعة القاهرة، ، ص 37 . ويراجع أيضا د/ يونس علي أحمد، المرجع السابق ص 283 . ويراجع أيضاً د/ زينب توفيق السيد، عدالة توزيع الدخل والنمو الاقتصادي ( الحالة المصرية نموذجاً )، الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية 2015، دار المنظومة، ص 10.
د/ إسماعيل عبيد حمادي، عدالة توزيع الدخول ( حالة دراسية عن العراق )، كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة الموصل، العدد 5، عام 1981، دار المنظومة، ص 15.
د\ محمد فوزي أبو السعود ، د/ عبير شعبان عبده عبدالحفيظ، العلاقة بين الفساد وعدم العدالة في توزيع الدخول في الدول النامية، مجلة التجارة والتمويل 2016، العدد 3، كلية التجارة، جامعة طنطا، ص 136.

