القطر والإرشاد البحري

عقدي القطر والإرشاد البحري

مما لا شك فيه أن الملاحة البحرية بتنوعها وتعدد وجوهها قد ألقت بثقلها على السفن القائمة بالإبحار، وهو ما تبعه إيجاد وسائل تساعد السفن في القيام بمهامها، لذا اتجهت أنظار التشريعات نحو تنظيم ما يقدم للسفن من خدمات من أهمها عمليتي القطر والإرشاد اللذان لا غنى عنهما اليوم،  لما يمثلانه من مورد اقتصادي ومحرك ملاحي بدونه تتعطل الحياة البحرية.

وسوف نتناول في هذا البحث عقدي القطر والإرشاد على النحو التالي:

أولاً: ماهية القطر البحري:

ثانياً: السفن التي لها حق القطر:

ثالثاً: خصائص عقد القطر:

رابعاً : المسئولية في عقد القطر:

خامساً : التزامات مجهز السفينة القاطرة :

سادساً : التزامات مجهز السفينة المقطورة :

سابعاً : تحول عقد القطر إلى انقاد أو مساعدة :

ثامناً : تقادم الدعاوى الناشئة عن عملية القطر :

تاسعاً: ماهية عقد الإرشاد:

عاشراً: التزامات المرشد:

حادي عشر: التزامات مجهز السفينة محل الإرشاد:

ثاني عشر: المسئولية أثناء عملية الإرشاد :

ثالث عشر: تقادم الدعاوى الناشئة عن عقد الإرشاد:

أولاً: ماهية القطر البحري:

القطر البحري هو عقد بمقتضاه يلتزم مالك السفينة بجر أو سحب سفينة مملوكة لآخر لقاء أجر معلوم[1].

وعرفه البعض الآخر[2] بأنه: ” الاستعانة بقوة محركة خارجية، لتغيير مكان شيء لا تتوافر له، أو لم تعد تتوافر له الوسائل اللازمة لتحقيق الانتقال المنشودة ذاتياً “.

وتختلف طبيعة عقد القطر باختلاف الغرض منه[3] وذلك كالآتي :

1- إذا كان القطر لمعاونة سفينة ذات قوة دفع خاصة ويكون طاقمها عليها وذلك بهدف دخول الميناء أو الخروج منه أو الرسو على رصيف، فيعد القطر في هذه الحالة بمثابة عقد مقاولة بين الطرفين يقوم فيه مالك السفينة القاطرة بعمل لصالح مالك السفينة المقطورة.

2- أما إذا كان القطر لسفينة ليس فيها قوة دفع خاصة بهدف معاونة أو جر مواعين أو صنادل أو سفينة، ففي هذه الحالة يكون عقد القطر بمثابة عقد نقل يتعهد فيه مالك السفينة القاطرة بنقل الأشياء محل القطر إلى مكان معين.

وتقوم بعملية القطر سفن متخصصة تتميز بصغر حجمها وقوة محركاتها لكي تتمكن من القيام بعملية القطر سواء داخل الميناء أو خارجه، أما القطر الذي يستخدم في حالات الخطر، فهو ليس عقد قطر على وجه الدقة، وإنما يمكن القول بأنه نوع من المساعدة البحرية والتي تختلف عن القطر خاصة فيما يتعلق بتحديد الأجر أو المكافأة.

ثانياً: السفن التي لها حق القطر:

تنص (المادة 6) من قانون التجارة البحرية الأردني على أنه: ” للسفن الأردنية وحدها حق الصيد على السواحل وحق الملاحة التجارية الساحلية بين الشواطئ الأردنية، وقطر السفن في دخولها إلى هذه الشواطئ وخروجها منها”.

وهو ذات الأمر في قانون التجارة البحرية المصري رقم 8 لسنة 1990 فقد نصت (المادة 8\1) على أنه: ” لا يجوز لغير السفن التي تتمتع بالجنسية المصرية الصيد أو القطر أو الإرشاد في المياه الإقليمية، كما لا يجوز لها الملاحة الساحلية بين الموانئ المصرية “.

ويتضح من ذلك أن حق القطر سواء في الأردن أو مصر مقصور على السفن الوطنية ولا يجوز لأي سفينة تحمل علم دولة أخرى القيام بأي من الأعمال المنصوص عليها في المادتين المبينتين سلفاً.

وكان القطر في بادئ الأمر اختيارياً لربان السفينة المقطورة طلبه عند حاجته إليه، إلا أنه مع جسامة الأضرار التي تترتب على الحوادث البحرية، مثل توقف حركة الملاحة فضلاً عن المواد الملوثة التي تحملها السفن كالبترول وغيره، مما يتطلب معه تدخل القاطرات لتحريك السفن، لجأت غالبية الدول لجعل القطر إجبارياً وقصره على سفنها فقط وتحديد تعريفة خاصة مقابله.

ثالثاً: خصائص عقد القطر[4]:

يتميز عقد القطر البحري بعدة خصائص تتشابه مع عديد العقود الأخرى وتتمثل في كونه:

1- عقد رضائي:

فهو عقد كسائر العقود الرضائية ينعقد بتلاقي إرادتين بتوافر الإيجاب من جانب السفينة طالبة القطر والقبول من قبل السفينة القاطرة، ولا يشترط فيه شكلية معينة.

وقد ينطوي عقد القطر البحري على شروط خاصة تتعلق بتنفيذه أو بالكيفية التي يتم بها القطر، ويتم إدراجها في إيصالات القطر أو الفواتير.

2- عقد معاوضة وملزم لجانبين:

حيث يأخذ كل طرف مقابلاً لما يعطي، فبالنسبة لمالك السفينة القاطرة فإنه يأخذ المقابل المتفق عليه نظير قيامه بعملية القطر، أما مالك السفينة المقطورة فيتم نقل سفينته إلى المكان الذي يريده، ويلتزم مالك السفينة القاطرة بتجهيز سفينة صالحة للملاحة وللقيام بعملية القطر.

3- عقد تجاري:

في أغلب التشريعات يعد عقد القطر عقد تجاري، باعتباره متعلقاً بممارسة أعمال الملاحة البحرية، وترتيباً على ذلك يعد القطر عملاً تجارياً بالنسبة لمجهز السفينة القاطرة سواء لوجود نص في القانون بذلك أو لكونه يبغي تحقيق الربح من ورائه ويمارس هذا العمل على وجه الاحتراف.

أما بالنسبة للسفينة المقطورة فإنه يعد تجارياً متى كان مالكها تاجراً أو كان متعلقاً بأعمال تجارته.

أما إذا كانت السفينة المقطورة تقوم بأغراض غير تجارية كالبحث العلمي أو الاكتشافات العلمية أو كانت سفينة حربية فلا يعد العقد تجارياً بالنسبة لها وفي هذه الحالة نكون أمام عقد مختلط تجاري لأحد أطرافه وغير تجاري للطرف الآخر.

4- عقد من عقود القانون الخاص:

وذلك لأنه لا يتضمن شروط غير مألوفة في القانون الخاص، كما أنه لا يهدف إلى تحقيق مصلحة أو خدمة عامة، وقد يكون القطر إجبارياً وتقوم سلطة إدارة الموانئ بتحديد تعريفة خاصة له.

كما أن عقد القطر عقداً فورياً وليس زمنياً، لأنه ينفذ فوراً وبلا توقف بجر السفينة المقطورة للمكان المتفق عليه.

رابعاً : المسئولية في عقد القطر:

تنص (المادة 235) من قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 على أن: ” إذا قطرت سفينة وكانت تتصرف بوسائله الدافعة فإن ربانها مسئول تجاه كل شخص ثالث عن خطأ ربان السفينة القاطرة، ما لم يثبت أن هذه لم تكن بإرادته، غير أن مسئوليته هذه تبقي له حق الادعاء على ربان السفينة القاطرة إذا ثبت أن هذا الربان قد ارتكب خطأ شخصياً “.

ولم يأت النص في القانون الأردني على نحو مفصل فاكتفى بنسبة المسئولية عن الأضرار لربان السفينة المقطورة في حالة القطر للسفن ذات قوة الدفع الخاص، مع جواز الرجوع على ربان السفينة القاطرة إذا كان قد ارتكب خطأ شخصياً وترتب عليه ضرر للغير.

أما في حالة قطر سفينة لا تتمتع بقوة دفع خاصة بها، فإن مسئولية السفينة القاطرة تكون مسئولية تعاقدية بالنسبة للأضرار التي تصيب السفينة المقطورة، ما لم تثبت أن ذلك سببه قوة قاهرة أو خطأ من السفينة المقطورة[5].

وجاء النص عاماً فلم يفرق بين القطر داخل الموانئ وخارجها، وذلك عكس ما فعل المشرع المصري الذي فرق في قانون التجارة البحرية رقم 8 لسنة 1990 بين المسئولية عن القطر داخل الموانئ وخارجها، وتلك القواعد المتعلقة بالمسئولية عن القطر في حالتيه لا تتعلق بالنظام العام ومن ثم يجوز الاتفاق على ما يخالفها.

1- المسئولية عن القطر داخل الموانئ:

تنص (المادة ٢٧٩\1) من قانون التجارة البحرية المصرية على أنه: ” تكون إدارة عملية القطر داخل الموانئ لربان السفينة المقطورة ويسأل مجهز هذه السفينة عن جميع الأضرار التي تحدث أثناء عملية القطر”.

والعلة من تقرير مسئولية مجهز السفينة المقطورة عن الأضرار التي تحدث أثناء عملية القطر داخل الموانئ، هو أن القطر داخل الموانئ غالباً ما يكون لمعاونة سفينة ذات قوة دفع خاص ومزودة بطاقمها، للقيام بما يلزم من مناورات لدخول الميناء أو الخروج منه أو الرسو على رصيف ما، وتكون السفينة القاطرة وربانها تحت توجيه السفينة المقطورة أثناء عملية القطر وهو ما يبرر مسئولية مالك الأخيرة عن الأضرار التي قد تحدث خلال عملية القطر.

ونصت (المادة 279\2) من ذات القانون على أنه: ” ويجوز باتفاق كتابي ترك إدارة عملية القطر داخل الميناء لربان السفينة القاطرة، وفى هذه الحالة يسأل مجهز هذه السفينة عن الأضرار التي تحدث أثناء عملية القطر إلا إذا أثبت أن الضرر نشأ عن السفينة المقطورة “.

2- المسئولية عن القطر خارج الموانئ:

تنص (المادة ٢٨٠) من قانون التجارة البحرية على أنه: ” (١) تكون إدارة عملية القطر خارج حدود الموانئ لربان السفينة القاطرة ويسأل مجهز هذه السفينة عن جميع الأضرار التي تحدث أثناء عملية القطر، إلا إذا أثبت أن الضرر نشأ عن خطأ السفينة المقطورة.

(٢) ويجوز باتفاق صريح ترك عملية القطر خارج الميناء لربان السفينة المقطورة وفى هذه الحالة يسأل مجهز هذه السفينة عن الأضرار التي تحدث أثناء عملية القطر “.

ويتبين من ذلك أن المشرع المصري جعل ربان السفينة القاطرة مسئولاً عن الأضرار التي قد تحدث أثناء عملية القطر إذا كان القطر خارج الميناء ما لم يحدث الضرر نتيجة خطأ من السفينة المقطورة فيسأل عنه ربانها.

ويجوز لطرفي عملية القطر الاتفاق على ما يخالف ذلك لعدم تعلق هذه القاعدة بالنظام العام.

وقضت محكمة النقض في حكمها رقم 657 لسنة 42قضائية الصادر بجلسة 8\5\1978 بأنه: ” عقد القطر وإن كان يعتبر من عقود النقل البحري إلا أنه ليس ثمة ما يمنع قانوناً من اتفاق طرفيه على أن تكون القاطرة وربانها ورجال طاقمها تحت رقابة وتوجيه الشركة المطعون ضدها – مالكة المنشأة المقطورة – وتابعين لها ومن ثم تسأل عن خطئهم، ولا يعد ذلك منهم اتفاقاً على نفي أو درء للمسئولية التقصيرية – وهو الأمر الذي حظرته المادة ٢١٧ / ٣ مدني – إذ أن مسئولية المطعون ضدها على أساس مسئولية المتبوع عن أعمال تابعه غير المشروعة – وعلى ما سلف البيان – هي مسئولية تبعية مقررة بحكم القانون لمصلحة المضرور بضم مسئول آخر يكفل بالتضامن المسئول الأصلي دون أن ينقص ذلك من حق المضرور في الرجوع إن شاء على المسئول الأصلي مباشرة أو على المتبوع.

 فإذا استأدى تعويضه من المتبوع كان للأخير الرجوع على تابعه محدث الضرر بما يفي به من التعويض للمضرور، كما أن عدم الاتفاق في عقد القطر على تنظيم كيفية ملازمة ملاك الحوض العائم أو وكلائهم (المطعون ضدها) للرحلة البحرية أثناء القطر لا ينفي تبعية ربان ورجال طاقم القاطرة للمطعون ضدها، تلك التبعية الثابتة بشروط عقد القطر والتي تعطيها السلطة الفعلية في الرقابة والإشراف والتوجيه على ربان وبحارة القاطرة، ذلك أن علاقة التبعية تقوم على السلطة الفعلية التي تثبت للمتبوع في رقابة التابع وتوجيهه سواء عن طريق العلاقة العقدية أو غيرها وسواء استعمل المتبوع هذه السلطة أو لم يستعملها طالما أنه كان في استطاعته استعمالها.”.

خامساً : التزامات مجهز السفينة القاطرة[6] :

يقع على عاتقه التزامين وهما :

1- تقديم سفينة جاهزة بمعداتها وطاقمها:

يلتزم مجهز السفينة القاطرة بتقديم سفينة صالحة للملاحة وفق ما تم الاتفاق عليه في العقد سواء كانت معينة بالذات أو بالنوع، وفي حالة تسمح لها بأداء عملية القطر، إضافة لما تحتاجه من أدوات ولوازم رفقة الطاقم لتنفيذ مهمتها على النحو المتفق عليه.

2- تنفيذ عملية القطر وفق الأصول المرعية:

يجب أن تم عملية القطر وفق الأصول الفنية والحرفية المعروفة في هذا المجال ووفق الشروط التي تم الاتفاق عليها في العقد، إذا كان قد تضمن شروط خاصة وجب الالتزام بها وأداء عملية القطر على نحوها.

وتتشكل عمليات القطر فقد يكون القطر بقصد التراكي وهو مساعدة السفينة للرسو على الرصيف، وفي هذه الحالة لا تستخدم السفينة القاطرة آلاتها ومعداتها الكبيرة حفاظاً على الرصيف والسفن الراسية، وقد يكون القطر بالإبحار وذلك بسحب السفينة من أعالي البحار أو ممرات الأنهار للدخول في الميناء أو القنوات الملاحية، وهنا تستخدم السفينة القاطرة معداتها الكبيرة للقيام بعملية القطر، أو يكون القطر بالتعويم كما هو الحال في جر الصنادل والمواعين أو السفن التي جنحت فوق الصخور أو الشعاب المرجانية.

سادساً : التزامات مجهز السفينة المقطورة :

ويلتزم مجهز السفينة المقطورة بدفع الأجرة المتفق عليها نظير عملية القطر، والامتناع عن أي عمل من شأنه إعاقة عملية القطر أو جعلها مرهقة للسفينة القاطرة وقد نصت (المادة 251) من قانون التجارة البحرية الأردني على أنه: ” لا يحق أي جعل للسفينة القاطرة عن إسعافها أو إنقاذها للسفينة المقطورة بها أو لحمولتها ما لم تقم بأعمال خارقة للعادة لا يمكن اعتبارها تنفيذا لعقد القطر”.

وتكون نفقات عملية القطر أو التعويم إذا كانت بقصد رسو السفينة لترميمها على عاتق المؤمنين وفقاً لنص المادتين 333 ، 334 من قانون التجارة البحرية الأردني .

سابعاً : تحول عقد القطر إلى انقاد أو مساعدة :

يتحول عقد القطر إلى مساعدة أو إنقاذ في حالة قيام السفينة القاطرة بسحب السفينة المقطورة وهي في موقف خطر كما لو توقفت محركاتها فجأة في عرض البحر أصبحت على وشك الغرق، أو حدوث اضطراب في الجو وهجرها طاقم السفينة أو حصول انفجار أو حريق على ظهر السفينة، وفي هذه الحالات يكون القطر لمساعدة السفينة للنجاة من خطر الهلاك.

ولا يشترط أن يكون الخطر حالاً، بل يكفي أن يكون محتمل الوقوع، ويترك أمر تحديد ذلك للقاضي عند المنازعة فيه، خاصة أنه في مثل هذه الحالات لا يكون هناك مجال للاتفاق على ماهية العقد سواء كان عقد قطر أو إنقاذ.

ويشترط القضاء للقول بتحول عقد القطر إلى مساعدة أو إنقاذ عدة شروط[7] تتمثل في :

  • وجود خطر حقيقي يهدد السفينة المقطورة، سواء كان الخطر حالاً أو محتمل الوقوع.
  • أن يكون الخطر قد تزايد بالنسبة للسفينة القاطرة.
  • أن تكون الأعباء الملقاة على عاتق السفينة القاطرة أكثر من الملقاة على عاتقها في حالة عقد القطر.

ويثور تساؤل هام هنا وهو ما هي القواعد واجبة التطبيق في حالة التصادم بين السفينتين القاطرة والمقطورة في حالة القطر أو الإنقاذ؟

يمكننا القول بأن القواعد التي تطبق في مثل هذه الحالات ليست قواعد المعاهدات الخاصة بالمصادمات البحرية وإنما تخضع للعقود المبرمة بين الطرفين سواء كان عقد قطر أو إرشاد أو إنقاذ.

وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية في حكمها الرقيم ٣٢٢ لسنة ٤٠ قضائية والصادر بجلسة 12\1\1976 أنه: ” ميزت معاهدة بروكسل الخاصة بتوحيد بعض القواعد المتعلقة بالمصادمات البحرية المنعقدة في ٢٣ سبتمبر سنة ١٩١٠ و التي وافقت عليها مصر بالقانون رقم ٢٢ لسنة ١٩٤١ و المعمول بها ابتداء من أول يناير سنة ١٩٤٤ بين أربعة أنواع من التصادم البحري, فنصت المادة الثانية منها على أنه في حالتي التصادم القهري و التصادم المشتبه في أسبابه يتحمل الضرر من أصابه، كما نصت المادة الثالثة على أنه إذا حصل التصادم بسبب خطأ إحدى السفن فتلتزم السفينة التي ارتكبت ذلك الخطأ بتعويض الخسائر.

 و نصت في المادة الرابعة على أنه إذا كان الخطأ مشتركا تكون مسئولية كل سفينة بنسبة خطورة الأخطاء التي ارتكبتها، و لما كان مؤدى هذه النصوص أن معاهدة بروكسل المشار إليها قد نظمت التعويض المستحق في حالتي خطأ إحدى السفينتين أو الخطأ المشترك، بما مؤداه تنظيم المسئولية عن الخطأ التقصيري، فإن أحكام هذه المعاهدة لا تسرى على التصادم الذى يحصل بين سفينة الإرشاد و السفينة التي استخدمتها أو بين سفينة القطر والسفينة المقطورة نظرا لارتباط السفينتين بعقد سابق هو عقد الإرشاد أو عقد القطر الذى يحدد التزامات كل منهما “.

ثامناً : تقادم الدعاوى الناشئة عن عملية القطر :

لم يرد في قانون التجارة البحرية الأردني رقم 12 لسنة 1972 نص قانوني صريح يبين مدة انقضاء الدعاوي الناشئة عن عملية القطر، ولكن جاء بنص (المادة 257) من قانون التجارة البحرية الأردني أنه: ” يسقط بحكم مرور الزمن حق دعوى المطالبة بجعل الإسعاف أو الإنقاذ بعد مرور سنتين على يوم انتهاء أعمال الإسعاف أو الإنقاذ”.

وهو ما يمكن تطبيقه بشأن تقادم الدعاوى الناشئة عن عقد القطر، بينما قرر المشرع المصري ذلك صراحة بنص المادة 281 من قانون التجارة البحرية .

تاسعاً: ماهية عقد الإرشاد:

لم يتعرض المشرع الأردني في قانون التجارة البحرية رقم 12 لسنة 1972 لتنظيم عقد الإرشاد بالرغم مما له من أهمية وهو ما يستوجب تدخله بإيراد نصوص تنظمه على نحو واضح وجلي كما فعل المشرع المصري في قانون التجارة البحرية .

 وقد عرفه الدكتور مصطفى كمال طه بأنه:[8] ” عقد عمل ذو مدة قصيرة يلتزم المرشد فيه بإرشاد السفينة لدى دخولها في الميناء أو خروجها منه نظير مبلغ نقدي يحدده القانون “.

وعرف البعض الآخر[9] عقد الإرشاد الملاحي بأنه: ” هو التوجيه الملاحي للسفينة إلى مكان رسوها أو إخراجها من الميناء أو المرفأ بواسطة المرشد”.

والإرشاد يكون إجباريا في غالب التشريعات كما أشرنا سلفاً بالنسبة لعقد القطر، ويرى بعض الفقه أن الإرشاد بمثابة خدمة عامة، وذلك نظراً لكون المرشد ليس حراً في اختيار السفينة التي يقوم بإرشادها، فضلا على أن مقابل الإرشاد تحدده القوانين واللوائح وغير متروك تحديده للاتفاق بين طرفيه.

بينما يرى البعض الآخر أنه وإن كان الإرشاد إجباريا، إلا أن ذلك لا ينفي أنه يستند إلى عقد بين الربان والمرشد، وذلك استناداً إلى أن الإجبار على التعاقد شائع في العديد من العقود، كما أن تحديد مقابل الإرشاد بواسطة القوانين واللوائح لا يتنافى وفكرة العقد، ويتم ذلك في الكثير من العقود كما هو الحال في خدمات البريد والسكك الحديدية والنقل العام.

عاشراً: التزامات المرشد:

يمكن اختصار التزامات المرشد في التزامين أساسيين وهما:

1- التزام المرشد في الإرشاد:

يلتزم المرشد بإرشاد السفينة للدخول للميناء أو الخروج منه، وذلك بتزويد ربان السفينة بالمعلومات عن مسالك الميناء، وكيفية الدخول والخروج منه، ويحدد للربان خط السير الذي يجب اتباعه.

ويقتصر دور المرشد على توجيه ربان السفينة فقط، وتكون قيادة السفينة وإدارتها لربانها أثناء عملية الإرشاد.

ويحق لربان السفينة التي يتم إرشادها الامتناع عن اتباع تعليمات المرشد، إذا ما رأى أن اتباعها سوف يعرض السفينة للخطر.

والتزام المرشد هنا التزام ببذل عناية وليس بتحقيق نتيجة، ما لم يرتكب خطأ شخصي سبب ضرراً فيسأل عن خطئه.

وقد يتعرض المرشد للعقاب إذا امتنع عمداً عن القيام بعملية الإرشاد.

2- التزام المرشد بتقديم المساعدة للسفن المعرضة للخطر:

تضمنت العديد من التشريعات النص على التزام المرشد بتقديم المساعدة للسفن التي تكون في حالة خطر حتى وإن تزامن ذلك مع طلب إحدى السفن للإرشاد، فتقدم مساعدة السفن أو إنقاذها في حالة الخطر عن الإرشاد، وذلك لعلة مفادها منع الخطر الهائل الذي قد يقع للأموال والأنفس نتيجة وقوع الخطر.

حادي عشر: التزامات مجهز السفينة محل الإرشاد:

تتلخص التزامات مجهز السفينة في الآتي[10] :

1- الالتزام بطلب المرشد.

2- الالتزام بالاستعانة بالمرشد الذي يتقدم السفينة.

3- الالتزام بتعليمات المرشد ما لم يترتب عليها ضرر بالسفينة أو وضعها في خطر.

4- الالتزام بدفع مقابل الإرشاد المحدد، وهو أهم التزاماته وتحد تلك الرسوم على أساس الحمولة الكلية المسجلة للسفينة، ويلتزم المرشد بغذاء ونفقة وإقامة وعودة المرشد إذا كان الإرشاد في عرض البحر، ويكون لرسوم الإرشاد حق امتياز على السفينة وأجرة النقل ويمكن توقيع الحجز التحفظي على السفينة لأجل ذلك إعمالاً لنص (المادة 50\أ) من قانون التجارة البحرية الأردني والتي نصت على أنه: ” لديون التالية وحدها ممتازة ودرجة امتيازها تحدد بحسب تاريخ ورودها:

أ . الرسوم القضائية والمصاريف المدفوعة في المحافظة على الثمن لمصلحة الدائنين العامة الرسوم عن محمول السفينة ورسوم المنارة والميناء وغيرها من الرسوم والتكاليف العامة التي هي من النوع نفسه – رسوم الإرشاد ونفقات الحراسة والصيانة منذ دخول السفينة في الميناء”.

ثاني عشر: المسئولية أثناء عملية الإرشاد :

قد يقع أثناء القيام بعملية الإرشاد أضرار تصيب الغير أو تصيب سفينة الإرشاد وطاقمها أو تصيب السفينة محل الإرشاد وسوف نبين المسئولية عن كل ضرر من هذه الأضرار وذلك على النحو التالي:

1- المسئولية عن الأضرار التي تلحق بالغير:

سبق أن أشرنا إلى أن المرشد تنحصر مهمته في توجيه السفينة محل الإرشاد لخط السير الواجب اتباعه للدخول أو الخروج من الميناء أو حتى في عرض البحر، ويكون ربان السفينة محل الإرشاد هو المتحكم في قيادتها وتنفيذ المناورات، ولا ينبغي له أن يسلم إدارتها للمرشد، وإذا ما رأي أن هناك ضرر أو خطر قد يقع نتيجة اتباع تعليمات المرشد فله أن يمتنع عن تنفيذها، فالمرشد يزاول عمله تحت سلطة وإشراف الربان أثناء عملية الإرشاد.

وترتيباً على ذلك يكون مجهز السفينة مسئولاً مباشرة في مواجهة الغير عن الأخطاء التي قد تقع من المرشد مسئولية التابع عن أعمال تابعيه، وإذا ما كان الضرر قد حدث نتيجة خطأ جسيم من المرشد فيكون لمجهز السفينة الرجوع على المرشد بما أداه للمضرور من الغير.

2- المسئولية عن الأضرار التي تلحق سفينة الإرشاد:

تنعقد كذلك مسئولية مجهز السفينة عن الأضرار التي تصيب سفينة الإرشاد أثناء تنفيذ العملية، ما لم يرجع الضرر الحاصل لخطأ جسيم ارتكبه المرشد، ويقع على عاتق المجهز إثبات الخطأ في جانب المرشد.

3- المسئولية عن الأضرار التي تلحق المرشد وطاقمها:

يسأل مجهز السفينة أيضاً عن الأضرار التي تلحق المرشد وطاقم سفينة الإرشاد، ما لم يكن الضرر نتيجة خطأ من المرشد أو طاقمه، ويقع عبء إثبات ذلك على مجهز السفينة. ولا يشترط هنا الخطأ الجسيم، بل يكفي أن يكون الخطأ يسيراً[11].

4- المسئولية عن الأضرار التي تلحق السفينة محل الإرشاد:

تقضي القواعد العامة بمسئولية المرشد عن الأضرار التي تصيب السفينة التي يقوم بإرشادها بشرط أن يثبت مجهز السفينة نسبة الخطأ إليه دون اشتراط توافر درجة معينة من الخطأ، إلا أن غالبية التشريعات البحرية تجري على أن المرشد لا يتحمل مسئولية ما قد يحدث من أضرار للسفينة محل الإرشاد وكذا هيئة الإرشاد التي يتبعها بغرض رفع القلق عنه أثناء أداء عمله[12].

ولكن ليس معنى ذلك تحلل المرشد من كل مسئولية، بل يمكن مساءلته في حالتي الغش والخطأ الجسيم استناداً لنص (المادة 358) من القانون المدني الأردني والتي تنص على أنه: “ إذا كان المطلوب من المدين هو المحافظة على الشيء أو القيام بإدارته أو توخي الحيطة في تنفيذ التزامه فإنه يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ولو لم يتحقق الغرض المقصود . هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك، وفي كل حال يبقى المدين مسؤولا عما يأتيه من غش أو خطأ جسيم “.

ثالث عشر: تقادم الدعاوى الناشئة عن عقد الإرشاد:

لم يرد في قانون التجارة البحرية الأردني نص خاص يحدد مدة تقادم الدعاوى الناشئة عن عقد الإرشاد كما هو الحال في عقد القطر، ولكننا نرى أن هذه الدعاوى تخضع لمدة التقادم الواردة في (المادة 257) من القانون الأردني وهي سنتين من تاريخ انتهاء عملية الإرشاد.

إعداد/ رفعت حمدي.

[1] راجع د/ مصطفى كمل طه، القانون البحري، دار المطبوعات الجامعية، ص 373.

[2] راجع م/ اعتدال عبدالباقي العضب، عقد القطر البحري دراسة مقارنة، مجلة الخليج العربي، المجلد 38 العدد1-2 لسنة 2010، جامعة البصرة، ص126، دار المنظومة.

[3] المرجع السابق د/ مصطفى كمال طه، ص 374 وما بعدها.

[4] راجع في ذلك، المرجع السابق م/ اعتدال عبدالباقي العضب، ص 130 وما بعدها.

[5] راجع في ذلك د \ محمد نصر محمد، الوجيز في القانون البحري، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض، الطبعة الأولى 2012، ص 280

[6] راجع المرجع السابق م/ اعتدال عبدالباقي العضب، ص 139: 140.

[7] راجع المرجع السابق م/ اعتدال عبدالباقي العضب، ص 137.

[8] المرجع السابق د/ مصطفى كمال طه، بند 263، ص 231

[9] راجع في ذلك م/ ضرغام فاضل حسين العلي، بحث في المركز القانوني للمرشد البحري في ضوء قانون الموانئ العراقي رقم 1 لسنة 1995 وتعليماته، ص4.

[10] راجع المرجع السابق م/ ضرغام فاضل حسين العلي، ص 31: 38.

[11] راجع المرجع السابق د/ مصطفى كمال طه، ص 235

[12] راجع المرجع السابق د \ مصطفى كمال طه، ص 235.

Scroll to Top