الأحكام الجزائية التي يجوز الطعن بها بالتمييز

الأحكام والقرارات الجزائية التي يجوز الطعن بها بالتمييز

إن الأصل في الطعن بالأحكام الجزائية أن يسلك الخصوم طرق الطعن العادية وهي الاستئناف أو الإعتراض وذلك عند توافر شروط أياً منهما، وذلك أمام محاكم الاستئناف أو محاكم البداية بصفتها الاستئنافية وذلك بحدود إختصاصهما، فكلاهما محكمة موضوع تعيد النظر في موضوع الدعوى الجزائية وذلك فيما يتعلق موضوع النزاع محل الطعن، إلا أن المشرع الأردني أوجد طريق أخر للطعن بالأحكام الجزائية وهو الطعن بالتمييز أمام أعلى هيئة محاكمة وهي محكمة التمييز، وهو طريق غير عادي للطعن بالأحكام الجزائية، لا يتم اللجوء إليه إلا بعد استنفاذ طرق الطعن العادية، وبحالات أو شروط محددة بنص القانون، وإضافةً إلى ذلك محكمة التمييز هي محكمة قانون وليست محكمة موضوع فهي لا تبحث في موضوع النزاع وإنما تقضي بصحة  الأحكام من قبيل أخذها أو عدم أخذها بحكم القانون، فالطعن بالتمييز ينصب على الحكم المطعون فيه دون أن يمتد إلى النزاع بأكمله.

وسنتعرف في هذا المقال على الأحكام والقرارات الجزائية التي يجوز الطعن بها بالتمييز،  وعلى شروط هذه الأحكام ، وذلك سنداً للمواد 270 _ 273 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لسنة 1961.

المقصود بالطعن بالتمييز

هو طريق غير عادي للطعن، حيث تخضع بموجبه بعض الأحكام القضائية لسلطة محكمة عليا للتحقق من شرعيتها، فإذا ما وجدت مخالفة للقانون تم نقضها[1]، لكن الطعن بالتمييز ليس بتلك السهولة، فلا يجوز الطعن بالتمييز إلا عند توافر إحدى حالات الطعن التي نص عليها القانون، كما لا يجوز للطاعن الطعن بالتمييز متجاوزاً طرق الطعن العادية وهي الاستئناف والاعتراض.

أهمية الطعن بالتمييز

تهدف محكمة التمييز بإعتبارها محكمة قانون إلى فرض رقابتها على صحة وسلامة تطبيق القانون على الأحكام القضائية التي تعرض عليها، وحسن تفسيره وتأويله، فهي لا تبسط رقابتها على جميع الأحكام القضائية وإنما الأحكام القضائية التي يطعن فيها تمييزاً، وبصفتها أعلى هيئة قضائية فهي تلقي النظر على عيوب القانون، ويستخلص من أحكامها المبادىء القانونية التي تسمى بإجتهادات محكمة التمييز والتي يتم الرجوع إليها في كثير من القضايا، مما يساعد على إستقرار الإجتهاد وعدم حدوث تضارب في الأحكام القضائية.

فالطعن بالتمييز يستهدف فحص الحكم للتحقق من مطابقته للقانون سواءً من حيث القواعد الموضوعية أو اقواعد الإجراءات التي نشأ بها هذا الحكم أو أستند إليها [2].

ما لا تختص به محكمة التمييز

محكمة التمييز محكمة قانون وليست محكمة موضوع كما سبق وأن ذكرنا وعليه فإن، فإنه ليس من شأن محكمة التمييز البحث في موضوع الدعوى، أي الوقائع المادية للدعوى من حيث ثبوتها أو نفيها، فالطعن بالتمييز يقتصر على مناقشة صحة التكييف القانوني لوقائع الدعوى دون الخوض في موضوع الدعوى محل النزاع.

الأحكام والقرارات الجزائية التي يجوز الطعن بها بالتمييز

الجهة القضائية التي يجوز تمييز أحكامها الجزائية

حدد المشرع الأردني في المادة 270 الأحكام والقرارات التي يجوز الطعن بها بالتمييز، فمن خلال هذا النص القانوني نجد أن المشرع قد حصر الجهات التي تستطيع الطعن بالحكم القضائي، ونقصد بالجهات أي أن الأحكام القضائية القابلة للطعن لابد ان تكون صادرة عن إحدى هذه الجهات الثلاثة وهي :

1_ محكمة الاستئناف.

2_ النائب العام.

3_ بعض المحاكم الخاصة ، كمحكمة الجنايات الكبرى ومحكمة آمن الدولة ومحكمة الشرطة.

وعليه لا يقبل النظر في الأحكام الصادرة عن محاكم الصلح والبداية، فكما سبق وأن ذكرنا أن الطعن بالاستئناف لا يتم اللجوء إليه إلا بعد استنفاذ وسائل الطعن العادية وهي الاستئناف والاعتراض.

الأحكام الجزائية التي يجوز الطعن بها تمييزاً

كما حدد المشرع من خلال هذه المادة نوعية الأحكام والقرارات التي تقبل الطعن بالاستئناف، ليستدل من النص السابق أنه ليس كل حكم أو قرار صادر عن الجهات الممنوح الطعن بأحكامها هو حكم قابل للطعن بالتمييز، وقد حصر المشرع هذه الأحكام والقرارات على النحو التالي :

1_ الأحكام الصادرة عن محكمة الاستئناف والتي تقبل التمييز هي الأحكام الجنائية والقرارات الجنائية، وعليه يفهم من ذلك أن الأحكام الجزائية الجنحية لا تقبل الطعن بالتمييز.

2_ فيما يتعلق بتمييز قرارات النائب العام القابلة للتمييز فقد حصرها المشرع بقرارات منع المحاكمة الصادرة في القضايا الجنائية، وعليه لا يجوز الطعن تمييزاً بالقرارات الاعدادية والقرارات القاضية باجراء تحقيق وقرارات القرينة وغيرها من القرارات التي تصدر اثناء السير في الدعوى وحدها، إلا بعد صدور الحكم في الاساس ومع هذا الحكم، سنداً لنص المادة 271 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

3_ وفيما يتعلق بالأحكام والقرارات الصادرة عن المحاكم الخاصة، سنستعرض أهم هذه المحاكم وأحكامها وقرارتها القابلة للطعن بالتمييز:

المحاكم الخاصة التي يجوز الطعن بأحكامها

محكمة الجنايات الكبرى

نصت المادة 13/ج من قانون محكمة الجنايات الكبرى على الأحكام القضائية التي تقبل الطعن بالتمييز، وهي الأحكام التي تكون العقوبة المحكوم بها الإعدام أو عقوبة جنائية لا تقل عن خمس سنوات، أما الأحكام التي تقضي بها محكمة الجنايات الكبرى بالبراءة فلا تنظر محكمة التمييز فيها موضوعاً ، ولا بد من أن نشير إلا أن محكمة التمييز تصبح محكمة موضوع بالنسبة للأحكام الصادرة بالإعدام أو المؤبد أو بعقوبة جنائية لا تقل عن خمس سنوات.

كما أصبحت محكمة التمييز تنظر في قرارات الإخلاء بالكفالة من عدمها بالنسبة لمحكمة الجنايات الكبرى وذلك منذ صدور القرار رقم 765/97 [3]، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الكثير من فقهاء القانون استهنج ذلك، فمحكمة كمحكمة التمييز تعد أعلى جهة قضائية يصبح من إختصاصها أن تنظر في طلبات إخلاء السبيل أمر لا يتناسب مع قيمتها القانونية .

محكمة الشرطة

بالنسبة لأحكام محكمة الشرطة فإن محكمة التمييز تلعب دوراً مختلفاً واستثنائياً، فعند النظر في الطعون المقدمة على أحكام محكمة الشرطة تعتبر محكمة التمييز محكمة موضوع بالنسبة لجميع الأحكام الجنائية الصادرة عن محكمة الشرطة، فقد قُضي بأن منح المتهم الأسباب المخففة التقديرية بمقتضى المادة 99 من قانون العقوبات مسألة تقديرية تستقل بها محكمة الموضوع ولمحكمة التمييز بما لها من صلاحية موضوعية على قضايا محكمة الشرطة أن تقرر منح هذه الأسباب أو عدم منحها[4].

محكمة أمن الدولة

تنظر محكمة التمييز في الطعون المقدمة على أحكام محكمة أمن الدولة سواءً كانت هذه الأحكام جنايات أو جنح، كما أنها تنظر هذه الأحكام بصفتها محكمة موضوع، ويجوز لها أن تحكم بما كان يجب على محكمة أمن الدولة أن تحكم به.

الشروط الواجب توافرها في الأحكام القضائية التي يجوز الطعن فيها بالتمييز

بعد أن تعرفنا على الأحكام القضائية التي يجوز الطعن بها تمييزاً، لا بد من أن نتعرف على الشروط الواجب توافرها في الأحكام سابقة الذكر كي يُقبل نظر الطعن بها من قبل محكمة التمييز، وهذه الشروط هي :

1_ أن يكون الحكم صادراً في قضية جنائية

وقد وسبق وأن ذكرنا ذلك عندما استعرضنا الأحكام القضائية التي يجوز الطعن بها تمييزاً فوجدنا أن المشرع خص بالذكر القضايا الجزائية من نوع جناية هي من تقبل الطعن بالتمييز، بإستثناء الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة أمن الدولة فجميعها سواءً كانت جناية أو جنحة تقبل الطعن بالتمييز، ولا بد من الإشارة إلى أن تعديل الوصف الجرمي من جناية إلى جنحة أو مخالفة لا يلغي قبول نظر الحكم تمييزاً ، فالعبرة بالوصف الجرمي  الذي أُحيلت به التهمة إلى محكمة أول درجة، ولكن في حالة الجرائم المتعددة، أي التي تحمل أكثر من وصف قانوني وكانت ترتبط إرتباط لا يقبل التجزئة كجريمة من نوع جنحة ترتبط بجريمة من نوع جناية، وتم الطعن بالحكم الصادر بشأن هذه الجرائم فيكون الحكم الصادر في الجنحة محلاً للطعن بالتمييز.

2_أن يكون الحكم الجنائي صادراً بالدرجة الأخيرة

أي أن يكون الحكم الجنائي قد صدر عن آخر درجة من درجات التقاضي، وهي محاكم الاستئناف ومحكمة الجنايات الكبرى ومحكمة أمن الدولة ومحكمة الشرط[5].

هل يجوز الطعن بأحكام محكمة البداية بصفتها الاستئنافية ؟

لا، لا يجوز ذلك لأنها تعد أحكام قطعية بمجرد صدورها، وإضافةً إلى ذلك عادةً ما تكون صادرة في جنح ومخالفات وليس في جناية، وبطبيعة الحال هذه الأحكام لا تمييز.

هل يجوز الطعن بأحكام محكمة الدرجة الأولى ( صلح وبداية)؟

لا، لأن هذه الأحكام قابلة للاستئناف أو الاعتراض أو أن البعض منها يصدر قطعياً، وعدم جواز الطعن باحكام هذه المحاكم جاء استناداً لنص المادة 272 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي جاء فيها :

لا يجوز اتباع طريق التمييز ما دام الحكم او القرار قابلاً للاعتراض او الاستئناف.

3_ أن يكون الحكم نهائياً وفاصلاً في الدعوى

يقصد بالحكم النهائي هو الحكم الذي يخرج الدعوى من حوزة المحكمة، فلا يجوز لها أن تضع يدها مرة أخرى على الدعوى ولا أن تعود لنظرها إلا بطريق قانوني، والحكم النهائي هو الحكم الذي ينهي الخصومة في الدعوى الجزائية والدعوى المدنية التابعة لها إن وجدت[6]، كما يجب أن يكون فاصلاً في موضوع الدعوى وبتالي القرارات التي تصدر أثناء سير الدعوى لا تقبل الطعن بالتمييز كالقرارات الاعدادية، وذلك لأنها لا تفصل في موضوع الدعوى وتبقى يد المحكمة على الدعوى.

إلا أن هناك أحكام وقرارات قد تصدر عن محكمة آخر درجة وتكون غير فاصلة في موضوع النزاع، إلا أنه يمكن الطعن فيها تمييزاً، لأنها أحكام نهائية من شأنها إيقاف السير في الدعوى وإخراج القضية من حوزة المحكمة، ومن الأمثلة عليها الأحكام والقرارات الصادرة بعدم الاختصاص أو بإسقاط الدعوى لأي سبب من أسباب السقوط أو القرار الصادر بعدم سماع الدعوى، فهذه الاحكام والقرارات تقبل الطعن بطريق التمييز، وبالرغم من أنها غير فاصلة في موضوع الدعوى[7].

هل نتيجة الحكم لها علاقة بقبول الطعن بالتمييز؟

ليس لنتيجة الحكم الصادر في الدعوى دوراً في قبول الطعن بالتمييز من عدمه ، فيستوي أي يكون الحكم صادراً بالإدانة أو البراءة أو عدم المسؤولية،المهم أن يكون نهاياً وفاصلاً في الدعوى.

الحكم الغيابي استثناء على جواز الطعن بالأحكام الجنائية تميزاً

إن الحكم الجزائي الصادر عن متهم فار من وجه العدالة هو حكم غير قابل للطعن بالتمييز، نظراً لكونه لم ينه ولم يفصل في النزاع، وذلك لكونه يصبح ملغي حتماً حين يسلم المتهم الفار نفسه أو حين يلقى القبض عليه قبل سقوط الدعوى بالتقادم، فتعاد محاكمته وفق الأصول أمام المحكمة التي أصدرت الحكم الغيابي[8] .

من اجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بالأحكام الجزائية التي يجوز الطعن بها بالتمييز

الحكم رقم 459 لسنة 2021 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية : الحكم الجزائي القابل للطعن بالتمييز لا بد أن يكون فاصلاً في موضوع الدعوى.

وقبل الرد على أسباب التمييزات: نجد أن المادة (270) من قانون أصول المحاكمات الجزائية حددت الأحكام التي تقبل الطعن بطريق التمييز… إلخ وأن المادة (271) من القانون ذاته قد نصت على أنه لا يقبل تمييز القرارات الإعدادية والقرارات القاضية بإجراء تحقيق وقرارات الضريبة وغيرها من القرارات التي تصدر أثناء السير في الدعوى إلا بعد صدور الحكم في الأساس ومع هذا الحكم.

وحيث أن القرار المطعون فيه قد تضمن فسخ القرار المستأنف وإعادة الأوراق إلى مصدرها لنظر الدعوى فيكون القرار الصادر غير فاصل في هذه الدعوى ولا يندرج ضمن الأحكام والقرارات القابلة للطعن بطريق التمييز وفق أحكام المادتين (270 و271) من قانون أصول المحاكمات الجزائية مما يتعين معه رد التمييزات الثلاثة شكلاً .

الحكم رقم 3561 لسنة 2019 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية

مبدأ

حددت المادة (270) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأحكام التي تقبل الطعن بطريق التمييز بأنها جميع الأحكام والقرارات الجنائية الصادرة عن محكمة الاستئناف وحيث إن سبب الطعن يتعلق بحكم محكمة الدرجة الأولى الأمر الذي يتعين معه عدم البحث فيه ورده.

إعداد المحامية : ليلى خالد.

[1] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة،2021، ص623.

[2] د. محمد سعيد نمور، مرجع سابق، ص 623.

[3] وهو قرار للهيئة العامة منشور بمجلة النقابة 1998، ص 1559.

[4] د. عبد الرحمن توفيق أحمد، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 2021، ص 426.

[5] د. حسن جوخدار، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، الطبعة الأولى،1993، 280.

[6] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار القافة للنشر والتوزيع، الطبعة السادسة، 2021، ص 626.

[7] د. حسن جوخدار، المرجع السابق، ص 284.

[8] تمييز جزاء رقم 84/76، وتمييز جزاء رقم 187/77، مجموعة المبادىء القانونية، ص 709.

Scroll to Top