شرط الثبات التشريعي في عقود الاستثمار الأجنبي

شرط الثبات التشريعي في عقود الاستثمار الأجنبي

  • في مستهل الحديث عن شروط الثبات التشريعي لابد أن أؤكد على أهمية الاستثمارات الأجنبية للدول النامية لذلك تلجأ الى اتباع سياسة تنموية جديدة بأن تفتح أسواقها أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتمنح العديد من التسهيلات والامتيازات لجذب المستثمرين لها، ومن بين هذه التحفيزات الجاذبة للاستثمارات  شرط الثبات التشريعي، الذي قد شاع إدراجه في أغلب عقود الاستثمار المبرمة بين الدولة المضيفة والمستثمر الأجنبي.
  • وترتيبا على ما تقدم حري بنا التعرض الى تقييم مدي صحة  شروط الثبات التشريعي ومدي فعاليتها، وكيفية التوفيق بين مبدأ قدسية العقود ومبدأ سيادة الدولة، وقبل كل ذلك يجب أن أعرض لمفهوم شرط الثبات التشريعي ومعرفة أنواعه وأهدافه وطبيعته القانونية على التفصيل الآتي :

أولاً: تعريف شرط الثبات التشريعي وأنواعه وأهدافه.

ثانياً: التكييف القانوني لشرط الثبات التشريعي في عقود الاستثمار الأجنبي.

ثالثاً: مدي صحة وفعالية شرط الثبات التشريعي.

رابعاً: أهم قضايا التحكم الخاصة بشرط الثبات التشريعي

خامساً: خاتمة

 

أولاً: تعريف شرط الثبات التشريعي وأنواعه وأهدافه.

  1. تعريف شرط الثبات التشريعي:-
  • اختلف فقهاء القانون حول تعريف شرط الاستقرار أو الثبات التشريعي، فهناك من يعرفه بأنه: ( ذلك الشرط الذي تتعهد به الدولة بعدم تطبيق أي تشريع جديد أو لائحة جديدة على العقد الذي تبرمه مع الشركة الأجنبية).([1])
  • وهناك البعض الآخر الذي يعرفه بأنه: ( تلك الشروط التي تهدف الى تجميد دور الدولة كسلطة تشريعية وطرف في العقد، وفى الوقت نفسه بمنعها من تغيير القواعد القانونية النافذة وقت إبرامها، إذ تتعهد الدولة بمقتضاه بعدم إصدار تشريعات جديدة تسري على العقد المبرم بينها وبين الطرف الأجنبي المتعاقد معها، على نحو يخل بالتوازن الاقتصادي للعقد ويترتب عليه الإضرار بالطرف الأجنبي المتعاقد معها).([2])

  • وفى نفس الصدد يعرفه جانب من الفقه بأنه: (الشرط الذي يرد في عقد الاستثمار والذي يؤدي الى تجميد دور الدولة كسلطة تشريعية وطرف في العقد وفى الوقت نفسه يمنعها من تغيير القواعد القانونية التي كانت سارية وقت إبرام العقد، ويعتبر ذلك الشرط ملزماً للطرفين استناداً الى قاعدة العقد شريعة المتعاقدين.)([3])

  • ويري البعض الآخر من الفقه أن شرط الثبات التشريعي يقصد به : ( تثبيت القانون الواجب التطبيق على العقد، على الحالة التي كان عليها لحظة إبرام العقد بين الدولة والأطراف الخاصة الأجنبية، خاصة في شأن عقود الاستثمار والتنمية الاقتصادية.([4])

  • وأخيراً هناك من يعرفه بأنه : ( أداة قانونية تتم من خلالها حماية المستثمر من مخاطر التشريع، من ناحية تعديل العقد بسن تشريع جديد، عن تجميد دول الدولة في التشريع والذي يحد من سلطاتها التشريعية، ولكن لا يجردها منها).([5])

  • وتثير كل هذه التعريفات في الواقع تساؤلاً هاماً يحتاج لمزيد من إلقاء الضوء عليه، وهو هل هناك علاقة بين شرط الثبات التشريعي وشرط عدم المساس بالعقد أو عدم التعديل؟

  • في الحقيقة أن هناك علاقة وثيقة بين شرط الثبات التشريعي وشروط عدم المساس أو عدم التعديل، فلا يخفي عن الفطنة الى أن  عدم المساس بالعقد يقصد به 🙁 أن تتعهد الدولة بعدم المساس بالعقد ذاته بإرادتها المنفردة، مستعملة في ذلك ما تتمتع به من امتيازات يمنحها القانون الداخلي، وذلك بوصفها سلطة تنفيذية وإدارية، وعليه فشرط عدم المساس بالعقد يعد حصانة يتمتع بها المستثمر الأجنبي المتعاقد مع الدولة المضيفة في مواجهة ما تتمتع به هذه الدولة من سلطان، فشرط الثبات في حد ذاته لا يحقق الأمان القانوني إلا إذا كان غير ممكن المساس به.([6])

  • 2- أنواع شروط الثبات التشريعي:-

    أ- التجميد الزمني: ويكون ذلك بتجميد العقد المبرم بين المستثمر الأجنبي والدولة زمنياً، فلا يسري عليه إلا القانون المختار بحالته التي كان عليها عند التعاقد، مع استبعاد كافة التعديلات التي يمكن أن تطرأ عليه في المستقبل،([7]) ويهيمن هذا القانون الذي اختاره المتعاقدان على العقد في كل مراحله.

    • واستناداً لما سبق فإن التجميد الزمني للعقد يمكن تحقيقه بإحدى طريقتين:-

    – الأولي/ اتفاقية: بأن يتفق أطراف العقد على شروط معينة، تنص صراحة بأن يسري على العقد عند المنازعة قانون الإرادة بأحكامه وقت إبرام العقد، مع استبعاد أي تعديل لاحق يطرأ عليه.

    – الثانية/ فهي تشريعية: وذلك بأن تتعهد الدولة التي ستدخل كطرف في عقد دولي في مواجهة المتعاقد المستقبلي، بألا تعدل أو تلغي قانونها الواجب التطبيق على العقد.

    ب – شروط عدم المساس (الشروط المقدسة):

    وفى هذا النوع من الشروط تتخلى الدولة كلياً أو جزئياً، عن ممارسة امتيازات السلطة العامة المقررة لها والتي تسمح لها من حيث المبدأ، أن تطلب تعديلات على العقد أو تمنحها الحق في تحقيق تلك التعديلات من جانبها.([8])

    ج – شروط الثبات:

    ويقصد بها وضع المتعاقد الأجنبي في حماية من بعض التعديلات التشريعية أو التنظيمية التي يحتمل أن تسنها الدولة( المتعاقد معها) مستقبلاً، وذلك أثناء مدة العقد خصوصاً في المسائل المالية.

    2- أهداف شرط الثبات التشريعي:-

    من المسلم به أن الطرف الأجنبي( المستثمر) المتعاقد مع الدولة يهدف دائماً الى تجنب اختيار القانون الوطني لهذه الدولة كقانون يحكم العقد المبرم معها لدفع المخاطر التي قد تترتب عن هذا الاختيار، ومنها تفادي إنهاء الدولة للعقد بإرادتها المنفردة، أو إجراء أي تغيير أو تعديل في القانون يؤدي الى الإخلال بالتوازن التعاقدي بينها وبين الطرف الأجنبي.

    • ولا يخفي عن الفطنة أن الثبات التشريعي يجعل المستثمر الأجنبي على علم تام بالقواعد القانونية التي تحكم علاقته التعاقدية مع الدولة المضيفة للاستثمار، وبالتالي يحقق له نوع من الضمان الآمن لاستثماراته فيها،([9]) وذلك بعدم تطبيق أية تشريعات لاحقة تضر بمركزه الاقتصادي، وتضطر الدولة خصوصاً الدول النامية الى الموافقة على إدراج مثل هذه الشروط في عقود الاستثمار الأجنبي، رغبة منها في جذب رؤوس الأموال الأجنبية وخضوعاً للاتفاقيات الخاصة بحماية الاستثمارات.

    ثانياً: التكييف القانوني لشرط الثبات التشريعي في عقود الاستثمار الأجنبي.

    اختلف الفقه أيضاً حول تحديد الطبيعة القانونية لشروط الثبات التشريعي وانقسم في ذلك الى اتجاهين:-

    الاتجاه الأول: يذهب أنصار هذا الاتجاه الى أن شرط الثبات التشريعي له أثراً تحويلياً يستند الى مبدأ سلطان الإرادة والحرية التعاقدية، فهو يمنح الأطراف المتعاقدة الحق ليس فقط في استبعاد بعض القوانين الأخرى الداخلية من مبدأ التطبيق على العقد الدولي، بل بإمكانهم تحويل تلك القوانين في العقد الدولي ذاته، بحيث لا يكون لها قوة إلا تلك التي تعطيها الأطراف لأنفسهم.([10])

    الاتجاه الثاني: فيذهب أنصار هذا الاتجاه الى أن شرط الثبات التشريعي له أثر توقيفي، أي أنه إذا اتفق الأطراف على سريان القواعد القانونية النافذة وقت إبرام العقد دون تلك التي تطرأ بعد ذلك فإنه لا يترتب علي ذلك تغيير لطبيعة القانون، كما يذهب الاتجاه الأول، بل فقط يتوقف سريان القواعد الجديدة التي تستجد بعد انعقاد العقد، فشروط الثبات التشريعي تعد استثناء على مبدأ التطبيق الفوري والمباشر للقانون الجديد.

    ثالثاً: مدي صحة وفعالية شرط الثبات التشريعي.

    غني عن البيان أن شروط الثبات التشريعي تعد من الشروط المألوفة في الواقع في عقود الاستثمار الأجنبي، بيد أن مسألة صحة هذه الشروط قد أثارت خلافاً كبيراً في الفقه، بسبب تصار المبادئ ومحاولة التوفيق بينهم، وانقسم الفقه حول مدي صحة وفعالية شروط الثبات التشريعي الى ثلاث اتجاهات:-

    الاتجاه الأول: هو الاتجاه المدافع عن صحة وفعالية شروط الثبات التشريعي:

    ويري أنصار هذا الاتجاه صحة شروط الثبات التشريعي، ويستند في ذلك الى مبدأ – قدسية العقود –  الذي يؤدي الى عدم إمكانية قيام الدولة التي أدرجت شرط الثبات أن تقوم بتعديل القانون الحاكم للعقد بإرادتها المنفردة، ومن ثم فهذه الشروط مقبولة وصحيحة وترتب آثارها القانونية، كما يستند أنصار هذا الاتجاه أيضاً تأكيداً لوجهة نظرهم على صحة شرط الثبات التشريعي تأسيساً على نظرية العقد الطليق، باعتبار أن هذه الشروط صحيحة في ذاتها دون الرجوع الى أي نظام قانوني يقرر ذلك.

    الاتجاه الثاني: هو الاتجاه الرافض لصحة وفعالية شروط الثبات التشريعي:

    وفى مقابل الاتجاه الأول وعلى العكس منه يري أنصار هذا الاتجاه عدم صحة وفعالية شروط الثبات التشريعي تغليباً لمبدأ سيادة الدولة وحقها في المساس بالعقد إذا اقتضت المصلحة العامة، وذلك بما لها من سلطات تخول لها إصدار قوانين جديدة تسري على العقد بينها وبين المتعاقد الأجنبي حتى وإن تضمن العقد شروط الثبات، لا سيما إذا تعلق الأمر بالمنفعة العامة مع تعويض المستثمر الأجنبي تعويضاً عادلاً، واستناداً أيضاً الى حق الدولة في التأمين ومراجعة العقد.([11])

    الاتجاه الثالث: هو الاتجاه التوفيقي بين الحرية التعاقدية وسيادة الدولة: يحاول هذا الاتجاه التوفيق بين فكرة الحرية التعاقدية ومبدأ سيادة الدولة وذلك بالتفرقة بين أمرين:-

    الأمر الأول: إذا كان العقد يخضع للنظام القانوني الوطني للدولة المتعاقدة ويستمد قوته منه، فإن التعديلات الجديدة للقانون الواجب التطبيق للعقد تطبق بأثر فوري على العقد.([12])

    الأمر الثاني: إذا كان العقد خاضعاً للقانون الدولي فإنه هو الذي يحدد القوة الملزمة لهذه الشروط، فإذا لم تحترم الدولة شروط الاستقرار التشريعي في العقد الدولي فإنه تكون مسئولة دولياً تجاه الشخص المتعاقد معها وبالتالي فإن شروط الثبات التشريعي يكون لها قيمة قانونية ملزمة.

    • وتجدر الإشارة الى أن غالبية الفقه يقترح اللجوء الى إعادة التفاوض بين أطراف العقد وذلك للتوفيق بين الحق السيادي للدولة وحماية حقوق المستثمرين الأجانب، وذلك بإدراج شرط إعادة التفاوض من أجل المحافظة على المصلحة العامة في عقود الاستثمار الأجنبي، فتكون بذلك وضعت شرط الثبات التشريعي لجذب رؤوس الأموال الأجنبية الضرورية للتنمية الاقتصادية، وفى نفس الصدد أدرجت شرط إعادة التفاوض لتحقيق المصلحة العامة، أو إذا اقتضت الظروف مراجعة العقد، ونلاحظ أنه إذا رفض الشريك الأجنبي التفاوض يحسن فيه، فللدولة ممارسة سلطاتها السيادية ووضع نهاية للعقد بالتأميم، ولا يكون أمام الطرف الأجنبي سوي الحصول على التعويض المناسب الذي يقدره القضاء أو التحكيم.

    رابعاً: أهم قضايا التحكم الخاصة بشرط الثبات التشريعي

    1. حكم تحكيم قضية Texaco لسنة 1977:

    حيث أبرمت الحكومة الليبية المتعاقدة في الفترة من ديسمبر 1955 إلى غاية أبريل 1971، مجموعة من عقود امتياز البترول مع شركتين أمريكيتين، وقد نص العقد النموذجي الملحق بقانون البترول الليبي الصادر سنة 1955 في المادة( 16 ) منه على أنه: “الحكومة الليبية سوف تتخذ كل الإجراءات الضرورية بقصد ضمان تمتع الشركة بكل الحقوق التي يخولها لها هذا الاتفاق، وأن الحقوق التعاقدية المنشأة صراحة بموجب الامتياز الحالي، لا يمكن تعديلها بدون الموافقة المتبادلة بين الأطراف، ويتم تفسير هذا الامتياز وفقا للقانون الحاكم للبترول واللوائح النافذة وقت التوقيع على هذا الاتفاق… وكل تعديل أو إلغاء لهذه القوانين واللوائح لا تؤثر على الحقوق التعاقدية للشركة بدون موافقتها”، لكن في سنة 1973، أصدرت الحكومة الليبية القانون رقم (66) لسنة 1973 الخاص بالتأميم، وبموجبه تم تأميم 51 بالمئة من كل الأموال والحقوق والأصول المملوكة للشركتين الأمريكيتين، وفي سنة 1974 أصدرت القانون رقم (11) لسنة 1974، وقامت بتأميم كل الأموال والحقوق والأصول المملوكة للشركتين الأمريكيتين السالفتين الذكر، وقد أخطرت هاتان الشركتين الحكومة الليبية بعزمهما اللجوء إلى التحكيم لحسم النزاع، إعمالا لنص المادة( 28 ) من عقود الامتياز المبرمة بينهما وبين الحكومة، ولما امتنعت الحكومة الليبية عن تعيين محكمها، ورفضت اللجوء إلى التحكيم، توجهت الشركتان إلى رئيس محكمة العدل الدولية، وقام بتعيين محكم وحيد وهو المحكم الفرنسي “Dupuy “.

    • وقد تعرض هذا الحكم للعديد من المسائل القانونية الهامة، من بينها مسألة صحة شروط الثبات التشريعي وعدم المساس بالعقد، والآثار المترتبة عليها، خصوصا الأثر المترتب على إدراج مثل هذا الشرط في العقد محل البحث، وعلى حق الدولة في اتخاذ إجراءات التأميم. وقد خلص إلى ما يلي:

    أ- إن حق الدولة في اتخاذ إجراءات التأميم حق سيادي وتعبير عن سيادة الدولة، لكنه مقيد بعدم الإخلال بالالتزامات الدولية التي تعهدت بها في إطار هذه السيادة.

    ب – إن القرار الذي تتخذه الدولة بإجراء التأميم، وإن كان يعد بمثابة ممارسة لاختصاصها من القانون الداخلي، إلا أنه يتضمن آثارا دولية منذ اللحظة التي تمس فيها إجراءات التأميم علاقة قانونية من علاقات القانون الدولي التي تعد الدولة المؤممة طرفا فيها.

    ج – لا يمكن للدولة التمسك بسيادتها من أجل خرق التعهدات التي وافقت عليها بحرية في إطار السيادة ذاتها، ولا يمكنها الاستناد إلى إجراءات خاضعة لقانونها الداخلي وحده لإهدار حقوق الطرف المتعاقد معها والذي قام بتنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتقه بموجب العقد.

    د – إن الاعتراف بالتأميم من قبل القانون الدولي لا يكفي لتخويل الدولة الحق في أن تتجاهل تعهداتها، إذ أن القانون الدولي ذاته يعترف أيضا للدولة بالقدرة على أن تتعهد دوليا بعدم مباشرة حقا من حقوقها وذلك بقبولها إدراج شرط الثبات التشريعي في عقد مبرم مع شخص خاص أجنبي.

    هـ – إن الدولة الليبية قد التزمت بكل حرية بشرط الثبات، كما أن هذا الشرط الذي يثبت النظام التشريعي واللائحي في مجال البترول منذ تاريخ التوقيع على الاتفاق لا يمس من حيث المبدأ السيادة التشريعية واللائحية للحكومة الليبية، وينحصر تطبيق المادة( 16 ) السالفة الذكر فقط في عدم الاحتجاج بمثل هذه الأعمال التشريعية واللائحية في مواجهة الأطراف الذين التزمت الحكومة تجاههم بمثل هذا التعهد طوال الفترة المتفق عليها لتنفيذ العقد  القانون المشترك للأطراف المتعاقدة.([13])

    و- أن شروط الثبات تتميز بطبيعة استثنائية، وبوجود هذا الشرط يحول العقد الإداري من طبيعته، ويرفع عن الدولة تلك السلطات التي يمنحها لها القانون الإداري، وبالتالي فإن الدولة تلتزم بشرط الاستقرار والثبات التشريعي، وأي تعديل للعقد يرتب عليها المسؤولية ولا يمكن لها التذرع بسيادتها، والاستناد إلى إجراءات القانون الدولي من أجل تبرير تنصلها عن العقد،([14])ونتيجة لما سبق، انتهى الحكم التحكيمي إلى أنه بالنظر إلى القانون الدولي للعقود، فإن التأميم لا يمكن التمسك به ضد العقد الجدول المبرم بين دولة وشخص خاص أجنبي ويتضمن شروطا للثبات التشريعي.

    حكم تحكيم قضية Liamco لسنة 1977 : صدر هذا الحكم في النزاع القائم بين الحكومة الليبية والشركة الأمريكية المسماة Liamco على إثر قيام الحكومة الليبية بتأميم ممتلكات ومصالح هذه الشركة بموجب قرارات التأميم الصادرة سنتي 1973 و1974 السالفي الذكر، ففي سنة 1973 تم تأميم 51 بالمئة من ممتلكاتها، وفي سنة 1974 تم تأميم كل ممتلكات هذه الشركة، ولما رفضت الحكومة الليبية المشاركة في إجراءات التحكيم وامتنعت عن تعيين محكمها، توجهت الشركة إلى رئيس محكمة العدل الدولية وعين لها محكما وحيدا للفصل في النزاع. وذلك تطبيقا لشرط التحكيم الوارد في المادة( 28 ) من العقد المبرم بين الطرفين، وتم تعيين الأستاذ Mahamassani اللبناني كمحكم، وقد تعرض للعديد من المسائل القانونية منها مسألة شرط الثبات التشريعي الوارد في المادة( 16 ) من العقد موضوع النزاع السالفة الذكر، وقد توصل إلى النتائج التالية:

    • تتضمن المادة 16 السالفة الذكر، شرط الثبات التشريعي، وعدم المساس بشروط العقد المتمتعة بالقوة الملزمة في القانون الدولي ( مبدأ قدسية العقود).
  • وهذا المبدأ السابق الذكر، يعد مطابقا تماما لمبدأ عدم رجعية القوانين والذي يقضي برفض كل أثر رجعي لأي تشريع جديد.

  • وبذلك فإن شرط الثبات التشريعي وعدم المساس بالعقد التي ترد في عقود البترول المبرمة بين الدول المنتجة للبترول والشركات الأجنبية تعد صحيحة، غير أن هذا الحكم لم يوضح صراحة ما إذا كانت هذه الشروط تحظر على الدولة اتخاذ إجراءات التأميم التي من شأنها وضع نهاية للعقد قبل الميعاد المتفق عليه، ومن جهة أخرى أقر الحكم بأن مبدأ قدسية العقود لا يحول دون ممارسة الدولة حقها في وضع نهاية للعقد بطريق التأميم، قبل حلول الميعاد المتفق عليه بين الأطراف المتعاقدة، باعتبار أن التأميم حق ثابت للدولة، ولا توجد قاعدة تقيد ممارسة الدولة لهذا الحق في الأحكام القضائية ولا في المعاهدات الدولية. بل إن قرارات الأمم المتحدة بشأن التأميم تؤكد على الحق السيادي للدول في تأميم ثرواتها الطبيعية، وفي الأخير استخلص المحكم أن حق الدولة في تأميم ثرواتها ومصادرها الطبيعية حقا سياديا، ويخضع للالتزام بالتعويض في حالة فسخ عقود الامتياز قبل الميعاد. كما أقر بصحة شروط الثبات التشريعي، غير أن هذه الشروط وكذلك مبدأ قدسية العقود لا تحول دون ممارسة الدولة حقها في التأميم.([15])

    1. حکم تحكيم قضية AGIP لسنة 1979 

    أبرمت الشركة الإيطالية AGIP مع حكومة الكونغو في عام 1962 عقدا لاستغلال الثروة البترولية، على أن يكون العقد خاضعا للقانون الكونغولي، وكانت شركة AGIP تملك 90 بالمئة من أسهمها، بينما تملك الشركة السويسرية 10 بالمئة المتبقية، وقد كانت الشركة تمارس نشاط توزيع البترول، وفي سنة 1974 أممت حكومة الكونغو قطاع توزيع المنتجات البترولية، وقد شمل التأميم كل الشركات العاملة في قطاع توزيع البترول باستثناء شركة AGIP لأنها أبرمت اتفاقا مع الحكومة تعهدت فيه الشركة بأن تتنازل عن 50 بالمئة من رأسمالها، كما تعهدت الحكومة بتبني النصوص المناسبة من أجل تفادي تطبيق التعديلات المستقبلية في قانون الشركات على الشركة AGIP. لكن في سنة 1975 أصدر رئيس جمهورية الكونغو قرارا بتأميم الشركة.

    • ولما ثار النزاع بين الطرفين، تم اللجوء إلى التحكيم لدى المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار، إعمالا لشرط التحكيم الوارد في الاتفاق المبرم بينهما، وتم تشكيل محكمة تحكيم للفصل في النزاع، مكونة من الأستاذ Trolle رئيسا والأستاذ Dupuy والأستاذ Rouhani كمحكمين، وتعرضت المحكمة للعديد من المسائل من بينها مسألة شرط ثبات التشريع.
  • وفي هذا الصدد، لاحظت محكمة التحكيم أن الحكومة قد تعهدت بموجب نص المادة الرابعة من الاتفاق المبرم بينها وبين شركة AGIP في سنة 1974 بأن تظل الشركة محتفظة بطابعها كشركة مساهمة من شركات القانون الخاص، كما أنها تعهدت وفقا للمادة( 11 ) من الاتفاق نفسه، بعدم تعديل النظام القانوني للشركة حتى في حالة إدخال تعديلات جديدة على قانون الشركات، ونتيجة لذلك ذهبت محكمة التحكيم إلى أن فسخ العقد من جانب واحد، بموجب قرار التأميم الصادر سنة 1975 يتجاهل بوضوح شروط الثبات التشريعي التي تستمد تطبيقها، ليس من سيادة الدولة المتعاقدة، بل من الإرادة المشتركة للأطراف.

  • كما قررت المحكمة أن هذه الشروط التي وافقت عليها الحكومة بحرية تامة، لا تمس من حيث المبدأ سيادتها التشريعية واللائحية مادام أن الحكومة تحتفظ بهذه السيادة في مواجهة المواطنين أو الأجانب الذين تتعهد قبلهم بمثل هذه التعهدات، وما دام أن هذه الشروط ينحصر في القضية الحالية في عدم الاحتجاج بالتعديلات التشريعية واللائحية المشار إليها في الاتفاق، وفي ضوء ذلك انتهت المحكمة إلى تقرير عدم شرعية إجراءات التأميم التي اتخذتها الحكومة وإلزامها بتعويض الشركة عن الأضرار الناجمة عن التأميم.

    خامساً: خاتمة

    في نهاية هذا المقال لابد أن أؤكد أن هناك جانباً من الفقه يري عدم فعالية شرط الثبات التشريعي وهذا ما أكده بعض القرارات التحكيمية السابق الإشارة إليها ونتيجة لذلك يقترح البعض بدلاً من تجميد النظام القانوني للدولة عند إبرام العقد اللجوء الى وضع شرطة إعادة التفاوض حسب تغير الظروف والقوانين توفيقاً بين المصلحة العامة واحتراماً لمبدأ قدسية العقود.

    كتابة: الأستاذ/جمال مرعي

    [1] – انظر سراج حسين أبوزيد، التحكيم في عقود البترول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2006، ص 11.

    [2] – بشار محمد الأسعد، عقود الاستثمار في العلاقات الدولية الخاصة، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005، ص 293.

    [3] – انظر حسين عيسي عبد المحسن، الضمانات العقدية للاستثمار(دراسة مقارنة)، مجلة الكوفة للعلوم القانونية والسياسية، المجلد 1، العدد 21، جامعة بابل، 2014، ص 188.

    [4] – انظر أحمد عبد الكريم سلامه، شروط الثبات التشريعي في عقود الاستثمار، التجارة الدولية، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، العدد الخامس، يناير 1989، ص 125.

    [5] – انظر حفيظة السيد الحداد، العقود المبرمة بين الدولة والأشخاص الأجنبية، دار النهضة العربية، القاهرة، 2001، ص 322.

    [6] – انظر حفيظة السيد الحداد، المرجع السابق، ص 325.

    [7] – انظر أحمد عبد الكريم سلامه، علم قاعدة التنازع والاختيار بين الشرائع، أصولاً ومنهجاً، ط 1، 1996، ص 1077.

    [8] – انظر جمال محمود الكردي، عقود بيع الأسلحة في النطاق الدولي، دار النهضة العربية، القاهرة، 2002، ص 108.

    [9] – انظر عبوط محند وعلى، الحماية القانونية للاستثمارات الأجنبية في الجزائر، رسالة دكتوراه، جامعة مولود معمري، كلية الحقوق، 2006، ص 134.

    [10] – انظر غسان على على، الاستثمارات الأجنبية ودور التحكيم في تسوية المنازعات التي تثور بصددها، القاهرة، 2004، ص 143.

    [11] – انظر حفيظة السيد الحداد، المرجع السابق، ص 371.

    [12] – انظر إقلولي محمد، شروط الاستقرار التشريعي المدرجة في عقود الدولة في مجال الاستثمار، المجلة النقدية للقانون والعلوم السياسية ، كلية الحقوق، جامعة فولور معمري يتزي وزو، العدد 1، 2006، ص 119.

    [13] – انظر غسان عبيد محمد المعموري، مرجع سابق، ص 178-179.

    [14] – انظر حفيظة السيد الحداد، العقود المبرمة بين الدول والأشخاص الأجنبي، المرجع السابق، ص 378.

    [15] – انظر غسان عبيد محمد المعموري، مرجع سابق، ص 180.

    Scroll to Top