عقد الوديعة التجارية

عقد الوديعة التجارية

إن  عقد الوديعة من العقود التجارية المهمة والتي يعقدها الكثير من الأشخاص سواءً كانوا تجاراً أم ليست فيهم صفة التاجر مع المصارف والبنوك المرخصة، حيث أن عقد الوديعة يمنح العميل فرصة الادخار وفي نفس الوقت تشغيل أمواله وجني الأرباح منها والمحافظة عليها، أما البنك فهو يستفيد من إيداع العميل للأوراق المالية في حساباته المصرفية وذلك من خلال حصوله على الأجر والعمولة والتمويل لمشارعه الاستثمارية وغيره من سنقوم بذكره في هذا المقال، وهذا المقصود بفكرة عقد الوديعة وبمفهومه العام والمتعارف عليه، إلا أن هذا العقد له شروط وأحكام قانونية تنظمه، وللوقوف على تلك الشروط والأحكام والتعرف على المفهوم القانوني لعقد الوديعة لابد من أن نستند إلى قانون التجارة الأردني رقم 1966وتعديلاته ، والقواعد العامة في القانون المدني،  وهذا ما سنتعرف عليه في هذا المقال، وذلك على النحو التالي:

جدول المحتويات

المقصود بعقد الوديعة

موقف المشرع الأردني من عقد الوديعة

شروط عقد الوديعة

أركان عقد الوديعة

الطبيعة القانونية لعقد الوديعة التجارية

احتساب الفائدة على عقد الوديعة

الصناديق المأجورة في المصرف

 

المقصود بعقد الوديعة

إن الوديعة بمفهومها العام وكما جاء في القانون المدني في المادة 868 منه هي عقد يخول به المالك غيره حفظ ماله ويلتزم الآخر بحفظ هذا المال ورده عيناً، وإن كان عقد الوديعة التجارية فيه من هذا المفهوم إلا أنه في عقد الوديعة التجارية لا يلزم المودع لديه أن يرد الأوراق المالية ذاتها، إذا كان العميل قد فوض البنك بإدارة تلك الأوراق المالية، وفي حال كانت تفويض العميل للبنك بإدارة الأوراق المودعة لدية بشكل مطلق نكون أمام عقد وديعة استثماري مطلق ويعرف على أنه: هو أن يفوض أصحاب ودائع الاستثمار – معا أو بالتعاقب – ا لمصرف باستثمار ودائعهم وفق ما يراه المصرف محققا للمصلحة[1] .

ويعرف عقد  وديعة الأوراق المالية هو عقد يتم بين المصرف والعميل محله أوراق مالية يحصل عليها ذلك العميل من قبل الشركات المصدرة لها على اختلافها كشركات المساهمة العامة أو أشخاص القانون العام تحمل أرقام متسلسلة وقيم متساوية وآجال طويلة نسبياً أو غير محددة الأجل وتشمل السندات والأسهم والقروض[2]، يضمن فيها العميل حفظ أوراقه المالية  واستثمارها إن أراد، ويحصل البنك بالمقابل على الأجر والعمولة بالإضافة إلى فتح المودع لحسابات مصرفية أو اعتمادات مالية مما يساهم في رفده بمصادر مالية تمكنه من ممارسة كافة الأعمال التجارية.

موقف المشرع الأردني من عقد الوديعة

لم يضع المشرع الأردني في قانون التجارة الأردني تعريف واضح وحدد لعقد الوديعة إلا أنه ذكر في نص المادة 115 ما يستفد منه على مفهوم عقد الوديعة أو ماهيتها، حيث جاء في الفقرة الأولى منها:

إن المصرف الذي يتلقى على سبيل الوديعة مبلغا من النقود يصبح مالكا له ويجب عليه أن يرده بقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدة دفعات عند أول طلب من المودع أو بحسب شروط المواعيد أو الأخبار المسبق المعينة في العقد.

وعليه فالوديعة هي الأموال التي يعهد بها الأشخاص الطبيعيين أو الحكمين إلى البنك على أن يتعهد الأخير بردها أو برد مبلغ مساوي لها، على دفعة واحدة أو عدة دفعات، عند الطلب العميل أو بالشروط المتفق عليها.

نستخلص من نص الفقرة السابقة بعض الأحكام القانونية المتعلقة بعقد الوديعة وهي:

1_ محل عقد الوديعة هو قيام شخص بتسليم مبلغ محدداً من النقود إلى البنك.

2_ يصبح البنك مالكاً للنقود المودعة بمجرد تسلمها من العميل، ويقصد هنا بالملكية هي ملكية النقود أما في حال كانت الوديعة أوراق مالكية فتبقى ملكيتها للمودع ما لم يثبت الاتفاق أو اتجه القصد على خلاف ذلك، سنداً للمادة 116/1 حيث جاء فيها:

  1. إذا كان ما أودع في المصرف أوراقا مالية فملكية هذه الأوراق تبقى للمودع ما لم يثبت أن القصد خلاف ذلك.

كيف يمكن أن تعرف نية العميل بخصوص تمليك الأوراق المالية للبنك من عدمها؟

اذا كان المودع قد منح المصرف خطيا بدون قيد حق التصرف في تلك الأوراق واعترف له بحق إرجاع أوراق من نوعها، سنداً لنص المادة 116/2 .

3_ بموجب ملكية البنك للنقود المودعة يصبح من حقه التصرف في النقود تصرفاً مطلقاً.

4_ ملكية البنك للنقود ملكية مؤقته فهو يلزم برد النقود للعميل حين طلبها أو بترتيب متفق عليه فيما بينهم.

شروط عقد الوديعة

يخضع عقد الوديعة للشروط العامة المتعلقة بإيداع الأموال والنقود لدى المصرف وهذه الشروط هي:

1_ تسليم العميل الأوراق المالية محل الوديعة للبنك، وتقديم قائمة تتضمن المعلومات المتعلقة بالأوراق المالية من حيث وصفها بدقة ونوعها وعددها وأرقامها وأي معلومات تتعلق بها، وبالمقابل يقوم المصرف بتسليم المودع إيصالاً بهذه الأوراق يتضمن معلومات مماثلة عنها وأهم شروط عقد الإيداع.

وهذا ما أكدته الفقرة الثانية من المادة 115 من قانون التجارة الأردني حيث جاء فيها:

يجب أن يقام الدليل بوثائق خطية على جميع العمليات المختصة بالوديعة أو بارجاعها.

2_ التسليم بقصد الحفظ

أن القصد الأساسي من عقد الوديعة هو حفظ الأوراق المالية من الضياع أو التلف أو السرقة، إلا أن هذا لا يمنع من أن يتم الاتفاق بين العميل والمصرف على إدارتها أيضاً، إلا أن الالتزام الأساسي هو حفظ الأوراق المالية المودعة والقيام بالعمليات اللازمة لحفظها ويطبق لهذا الشأن القواعد العامة للوكالة، سنداً لنص المادة 116 / 3 حيث جاء فيها: وتطبق قواعد الوكالة على الودائع المصرفية إذا اخذ المصرف على نفسه إدارة الأوراق المالية المودعة مقابل عمولة.

كما يلتزم البنك بالمحافظة على الحقوق المتصلة بالأوراق المالية والمقررة دون مقابل كتقديمها للاستبدال أو وضع الأختام عليها أو إضافة قسائم أرباح جديدة إليها، وعليه أن يخبر العميل بكل أمر أو حق يتعلق بأوراقه المالية وما إلى ذلك من عمليات تتبع الالتزام بالحفظ[3].

3_ رد الوديعة

حسب القواعد العامة في القانون المدني يلزم المودع لديه برد الوديعة ذاتها التي أودعها المودع لديه، ألا أن مفهوم رد الوديعة يختلف في القانون التجاري عنه في القانون المدني وبما أن محل عقد الوديعة وأحد أطرافه تاجر فأن القاعدة العامة تنص على أن القانون الخاص يقيد العام، والقانون التجاري لا يشترط برد الوديعة ذاتها وإنما ما يساويها وعلى دفعة أو دفعات، وذلك سنداً لنص المادة 115 /1 (  إن المصرف الذي يتلقى على سبيل الوديعة مبلغا من النقود يصبح مالكا له ويجب عليه أن يرده بقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدة دفعات ).

4_ مشروعية المحل والسبب

محل عقد الوديعة مزدوج وهو الأوراق المالية والعمولة[4]، أما عن مشروعية المحل فيجب أن تكون الأوراق المالية غير مخالفة للنظام العام والآداب العامة كإيداع أوراق مسروقة، أما عن السبب  ويقصد به الدافع لدى الطرفين لإبرام عقد الوديعة، فالسبب أو الغاية لدى العميل هو المحافظة على النقود والأوراق المالية بالإضافة إلى الرغبة بإدارتها والحصول على أرباحها، أما بالنسبة لغاية المصرف هي  الحصول على الأجر والعمولة التي يتقاضاها جراء قيامه بإدارة الأوراق المالية واستثمارها، بالإضافة إلى نية المصرف بتقديم خدمات جاذبة للعملاء[5].

أركان عقد الوديعة

1_ التراضي ، أن عقد الوديعة عقد رضائي ينشأ بإرادة الأطراف المتعاقدة  بالتقاء الإيجاب بالقبول ، وهو مصدر للالتزام ووسيلة إثبات في ذات الوقت، فمن خلاله يثبت العميل حقه الشخصي في الوديعة، ومن خلاله أيضاً يلزم البنك بتنفيذ بنود العقد، ولتوافر ركن التراضي لابد أن تكون الإرادة خالية من أي عيب من عيوب الرضا،  كما يلزم أن يكون العميل كامل الأهلية القانونية، ويكون التعبير عن الإرادة لفظياً أو كتابياً أو بالإشارة أو بالمبادلة الفعلية ، أي يجوز التعبير عنها صراحة أو ضمناً بما لا يدعى مجال  للشك في دلالته.

2_ المحل

سبق وأن تحدثنا عن محل عقد الوديعة وهو الأوراق المالية والعمولة، ويشترط بمحل العقد أن يكون مشروعاً غير مخالف للنظام العام أو الآداب العامة، كما يشترط أن يكون موجوداً ومعيناً أو قابلاً للتعين.

3_ السبب

وهو الغاية من إبرام عقد الوديعة وقد سبق وأن تحدثنا عنه من خلال هذا المقال.

الطبيعة القانونية لعقد الوديعة التجارية

إن خصائص عقد الوديعة التجارية والتي ذكرها المشرع الأردني في المادة 116 في فقراتها الثلاثة قد حددت الطبيعة القانونية لعقد الوديعة التجارية وذلك وفقاً للغرض أو الغاية منه مما يتيح تكيف العقد الناشئ بين طرفي العقد ، إما أن يعد عقد وديعة كاملة أو عقد قرض أو خليط من عقد الوديعة وعقد الوكالة وذلك حسب الاتفاق ، فإذا كانت الوديعة تقتصر على قيام البنك بالمحافظة عليها وردها عند طلب العميل نكون أمام عقد وديعة كاملة، أما إذا كانت مهمة البنك تتعدى المحافظة على الوديعة إلى إدارتها بالبيع أو الشراء، أي عدا العمليات الضرورية والمتعلقة بحقوق المودع فنكون أمام عقد وديعة ناقصة أو عقد قرض، أما في حال قام البنك بإدارة الأوراق المالية المودعة لديه مقابل عمولة نكون أمام عقد وكالة وتطبق قواعد الوكالة على الوديعة المصرفية.

والسؤال الذي يثور في حال قام البنك بعمليات مصرفية على الوديعة، فهل يعتبر عقد الوديعة عقداً كاملاً أم ناقصاً؟

قاضي الموضوع هو من يحدد القصد والنية في اتفاق المتعاقدين، فإذا لم يعبر العميل صراحة عن غايته من عقد الوديعة، وقام البنك بالإضافة إلى حفظ الوديعة بإدارتها إدارة ضرورية ولازمة لحفظ حقوق المودع، فهنا نكون أمام عقد وديعة كاملة فالعمليات التي تمت على الوديعة من قبيل الضرورة.

أما في حال كانت العمليات التي تمت على الوديعة من قبيل البيع والشراء الغير ضروري وإنما من قبيل الاستثمار فنجد أن النية قد اتجهت إلى أن الغاية من الوديعة هي المحافظة على المال وإدارته بما يعود بالربح على العميل فنكون أمام عقد وديعة ناقصة.

ويمكن التمييز بين عقد الوديعة الكاملة وعقد الوديعة الناقصة بالاستناد إلى نص المادة 116 حيث أن المشرع ميز بينهما من خلال نية تمليك الأوراق المالية للمصرف من عدمها، فالأوراق المالية تبقى ملكيتها للمودع إلا إذا قصد خلاف ذلك والقصد قد أشرنا إليه في طريقة إدارة الأوراق المالية فيما إذا كانت من قبيل الضرورة أو لا، وفي حال أعطى العميل للمصرف حق التصرف في الأوراق المالية دون قيد نكون أمام عقد وديعة ناقصة.

ماذا يترتب على البنك في حال عدم التزامه بالمحافظة على الوديعة المودعة لديه بموجب عقد وديعة كاملة؟

يسأل جزائياً عن جريمة إساءة الأمانة، كون أن المال أو الأوراق المودعة لديه موضوعه على سبيل الحفظ والأمانة فقط لا الإدارة.

احتساب الفائدة على عقد الوديعة

نص المشرع الأردني في المادة 115 الفقرة الثالثة منها على طريقة احتساب الفائدة على عقد الوديعة التجارية، حيث جاء فيها:

وتجب الفائدة عند الاقتضاء ابتداء من اليوم الذي يلي كل إيداع إن لم يكن يوم عطلة ولغاية النهار الذي يسبق إعادة كل مبلغ ما لم يكن هناك اتفاق مخالف.

وعليه فإن الفائدة لا تحسب في اليوم الأول من الإيداع ولا في يوم رد الوديعة، وفي حال كان اليوم الذي يلي إيداع الوديعة عطلة أيضاً لا تحسب الفائدة فيه وإنما في أول يوم دوام يلي يوم الإيداع.

الصناديق المأجورة في المصرف

يوجد لدى البنوك خزائن حديدية أو بما يعرف بخانات حديدية لها مفتاح، قد يرغب العميل باستخدامها لإيداع ما يريد من أوراق مالية أو مجوهرات وغيره، هذه الخزائن تستخدم مقابل أجرة، تسري قواعد إجارة الأشياء عليها، سنداً لنص المادة 117 الفقرة الأولى منها، وفي المقابل يكون البنك مسؤولاً عن سلامة هذه الصناديق وما في داخلها، وفي حال أخل بالتزامه يسأل عن جريمة إساءة الائتمان.

بعض من قرارات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بعقد الوديعة التجارية

الحكم رقم 9864 لسنة 2019 – استئناف عمان: التزام البنك بحفظ الوديعة

نجد انه ووفقا لأحكام المادة 116 من قانون التجارة فان الأوراق المالية التي يتم إيداعها لدى البنك من قبل العملاء هي وديعة لدى ذلك البنك ولذلك فانه يتوجب عليه المحافظة عليها وأنه إذا هلكت بتقصير منه يضمن قيمتها وعليه أن يرد تلك القيمة للمودع ولان هذا الأخير لم يعد لديه سند يستطيع بواسطته مطالبة الساحب بقيمته فهو حسن النية وتجرد من سند الدين.

إعداد المحامية: ليلى خالد.

تدقيق المحامي: سامي العوض.

[1] عبد الناصر الزيود، مدى التزام المصارف الإسلامية العاملة في الأردن بالضوابط الشرعية الإسلامية دراسة حالة: عقد الوديعة الاستثمارية المطلقة، جامعة قناة السويس، المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية، 2011، ص 52.

[2] عمر فلاح العطين، النظام القانوني لعقد وديعة الأوراق المالية، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت، 2019، ص 1.

[3] عبد القادر العطير، الوسيط في شرح القانون التجاري، ص 29.

[4] حسن حسني، عقود الخدمات المصرفية، القاهرة، 1986، ص 269.

[5] عزيز العقيلي، شرح القانون التجاري، الجزء الثاني، الأوراق التجارية وعمليات البنوك، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2005، ص 381 .

error: Alert: Content is protected !!