التغرير في المضاربات في بورصة الأوراق المالية

التغرير في المضاربات في بورصة الأوراق المالية

إن التلاعب بأسعار الأوراق المالية من خلال العمليات التي تهدف الى إحداث فارق مصطنع في الأسعار، دون أن يكون هناك أي سبب متعلق في الحالة الاقتصادية للمنشأة أو الشركة مصدرة الأوراق المالية، يسبب الكثير من الخسائر ليس للمتعاملين فقط، وإنما على سوق الأوراق المالية ككل، لذلك تصدت التشريعات المنظمة لعمل سوق الأوراق المالية في المملكة الأردنية بتجريم أفعال التلاعب بأسعار الأوراق المالية، لما لهذه الجريمة من أثار على فقد التوازن في عمل سوق الأوراق المالية، فهذا السوق يقوم على التوازن بين قوى العرض والطلب، وبالتالي فإن التغرير في مضاربات البورصة والتلاعب في قيمة الأوراق المالية للحصول على اكبر قدر من الأرباح، يخل بالموازنة في السوق، ويضعف حركة الاستثمار، الأمر الذي دعانا إلى التطرق إلى تلك المسألة الهامة من خلال هذا المقال في هدي العناصر التالية:

(أولاً): تعريف التغرير لغة واصطلاحاً

(ثانياً): تعريف المضاربة في الأوراق المالية

(ثالثاً): تعريف البورصة وسوق الأوراق المالية وماهية الأوراق المالية

(رابعاً): صور التغرير في بورصة الأوراق المالية

(خامساً): ضوابط وتعليمات شركة بورصة عمان للحد من أفعال التغرير في المضاربات

(سادساً): خاتمة

 

(أولاً): تعريف التغرير لغة واصطلاحاً

التغرير لغة: يقال: غره، يغره، غراً، وغروراً، وغرة بكسر المعجمة، فهـو مغرور وغرير، أي: خدعه وأطعمه بالباطـل، وهـو تـزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب.

والغرور بالضم: تعني الأباطيل، وعلى هذا فالتغرير، والغرور واحد إلا أن أكثر الفقهاء يستعملون التغرير أكثر [[1]]

والتغرير في الاصطلاح الفقهي له عدة تعاريف، فمن أهمها: الأول، إظهار الشيء بمظهر غير حقيقي مع إعطائه صفة ليست له لكي يستقطب رغبة الطرف الآخر، فيقدم على إبرام العقد، الثاني: أن يفعل في المبيع فعلاً يظن به المشتري كمالاً فلا يوجد كذلك، [[2]] الثالث: الإغراء بوسيلة قولية، أو فعلية كاذبة لترغيب أحد المتعاقدين في العقد وحمله على الموافقة عليه.

(ثانياً): تعريف المضاربة في الأوراق المالية

تختلف المضاربة في بورصة الأوراق المالية عن المضاربة في الفقه الإسلامي، والتي عرفها في لغة أهل الحجاز بالقراض والمقارضة، والتي وصفها بأنها: دفع مال معين معلوم قدره لمن يتجر فيه بجزء معلوم من ربحه، فالمضاربة في الفقه الإسلامي تعتمد على دفع مال لمن يضارب بهـذا المال، فيشتري سلعاً ويستلمها ثم يبيعها بعد وقت، فما زاد عن رأس المال المدفوع فهـو بينهما على ما شرطاه.

أما المضاربة في أسواق المال فهي: عمليات بيع وشراء، يقوم بها أشـخاص لا بقصد تسلم وتسليم السلعة، أو تسلم الـسهم لمحتواه، ولا بقصد شراء الـسهم رغبة في الاشتراك في موجودات الشركة للانتفاع بما يعود عليه من ربح من أعـمال الشركة، وإنما لجني ربح من الفروق التي تحدث في أسـعار الأسـهم بـين وقـت وآخر، كما أن المضاربة في الأوراق المالية إنما تـتم في مكـان معـين مخـصص لإبرام صفقات تجارية، والمضاربة في البورصة هـي ترجمة للكلمة الإنجليزية (speculation).

والحقيقة أن هذه الكلمـة تعني: التنبؤ أو التخمين، وليست بمعنى المضاربة، مما حدا ببعض الاقتـصاديين لاسـتعمال كلمة المجازفة بدلاً مـن المضاربة في البورصة، [[3]] وفي الواقع فإنه لا يوجد تعريف محدد واضح للمـضاربة في أسـواق المال متفـق عليه ومتعارف عنـد الاقتصاديين، بناءً على الخلفية المسبقة عند بعضهم في اعتبار بعـض التـداولات من أعمال المضاربة المشروعة أو غير المشروعة، ومن أمثلة تلك التعاريف: أنها عملية بيع أو شراء، يقوم بها أشخاص خبـراء بالأسوق، للانتفاع من فـروق الأسـعار، ويقـال: ضارب في الأسـواق: اشـتر في الرخص، وتربص حتى يرتفع السعر ليبيع، وقد يهبط فتحدث الخسارة، كما تم تعريفها بأنها: عملية بيع أو شراء، يقوم بها أشخاص بنـاءً عـلى معلومات مسببة للاستفادة من الفروق الطبيعية لأسـعار الـسلع، سـواء كانـت أوراقاً مالية أو بضائع، [[4]] ومنها أيضاً أنها: بيع أو شراء صوريين، لا بغرض الاستثمار، ولكن بغية الاستفادة من التغيرات التي قد تحدث في القيمة السوقية للأوراق المالية في الأجـل القـصير جـدا، حيث ينخفض بشدة معدل الارتباط بـين القيمة الـسوقية للأوراق المالية مـن ناحية، وبين القيمة الاسمية والدفترية من ناحية أخرى. [[5]]

– ويستنبط من مفهوم تلك التعاريف أنها اتفقت على أن:   

(أولاً): كل من يحتفظ بالسهم، للانتفاع والاستفادة من جراء فروق أسعار الأسهم، دون أن تكون له الرغبة الحقيقية في الاستفادة من العائد على السهم، فإنه يكون مضارباً، كما يسمى عمله مضاربة.

(ثانياً): أن هناك قيداً، وهو أن الذي يقـوم بعملية المضاربة أشخاص لهم خبرتهم ومعلوماتهم المسببة لنزول السهم أو ارتفاعه، اعـتماداً وتسبيباً عـلى تقديرهم للعوامل المؤدية لصعود الأسعار أو هبوطها، وقـدرتهم الشخـصية عـلى فحص وتمحيص تلك العوامل وتحليـل نتائجها من الاسترشاد بالتجارب الماضية. والاعتبارات النفسية [[6]]، وهذا ما يسمى بالمضارب المحترف الذي يتعامل في الأوراق المالية بناءً عـلى معلومات مسببة.

(ثالثاً): أن هناك قيداً أخر، وهو قيد الصورية، حيث إن عمليات تداول الأسهم، بيع أو شراء من أجل المضاربة عمليات غير حقيقية، فيوجد صورة العقد ومظهره الخارجي، ولا يوجد مقصده وحقيقته.

(ثالثاً): تعريف البورصة وسوق الأوراق المالية وماهية الأوراق المالية  

  • وقد عرفت بورصة الأوراق المالية بأنها: سوق منظمة، تقام في مكان ثابت، يتولى إدارتها والإشراف عليها هيئة لها نظامها الخاص، تحكمها لوائح وقوانين وأعراف، يترأسها المتعـاملون في الأسـهم والسندات الراغبين في الاسـتثمار، والاستفادة من تقلبات الأسعار، تنعقد جلساتها يوميا، حيث يقوم الوسطاء الماليون بتنفيذ أوامر البائعين والمشترين. [[7]]
  • أما بشأن تعريف سوق تداول الأوراق المالية فقد عرفه المشرع الأردني في قانون الأوراق المالية رقم (18) لسنة 2017 في المادة (2) منه بأنه: (أي سوق منظم أو أي استخدام دوري أو مستمر لوسائل الاتصال يتيح تداول الأوراق والأصول المالية).

كما عرفت ذات المادة السوق المالي بأنه: (أي سوق لتداول الأوراق المالية مرخص من الهيئة وفقاً لأحكام هذا القانون)، وبخصوص الأوراق المالية فقد عرفها ذات قانون الأوراق المالية المشار إليه بالمادة (3) منه بقولها: أ- يقصد بالأوراق المالية أي حقوق ملكية، أو أي دلالات أو بيانات متعارف عليها على أنها أوراق مالية، سواء كانت محلية أو أجنبية يوافق المجلس على اعتبارها كذلك).

  • أما تعريف الفقه للأوراق المالية، فقد جاء بعدة تعريفات حيث عرفها بانها: وثائق ذات قيمة مالية اسمية كانت أو لحاملها، التي تصدرها أشخاص القانون الخاص أو أشخاص القانون العام بمجموعات ذات أرقام متسلسلة، وذات أجل غير محدد أو طويل نسبيا. [[8]]

(رابعاً): صور التغرير في بورصة الأوراق المالية

توجد عدة صور وممارسات وألاعيب، يقوم بها بعض المضاربين المحترفـين في بورصة الأوراق المالية، تؤدي إلى إحداث تغير وتحرك في أسعار الأسهم، ويكون هذا التغير في السعر منفصلاً عن إنتاجية وربحية واحتياطي ونمو أصول الـشركة ذات الورقة المالية، وقد انتشرت المضاربة في البورصة، عنـدما ظهـرت شريحة من بعض الأشخاص المتعاملين في البورصة يـشترون الأوراق المالية بغية إعادة بيعها مرة أخرى عنـد ارتفـاع أسـعارها، للاستفادة على فارق السعر كربح رأسمالي.

  • ولما كان العلم المسبق لهؤلاء بفروق الأسعار هو علم افتراضي وتخميني وليس علم يقيني، سواء كان عمل المضارب مبنيا على معلومات مسببة لصعود الأسعار أو هبوطها، أو كان مبنيا عـلى المخاطرة والمجازفة والتخمين، مما دفعهم هـذا الأمر إلى ابتكار عمليات في سـوق المعاملات الآجلة والعاجلة، كالتغطية، ويطلق عليها أيضاً الاحتياط، ويراد منها حماية المستثمر نفسه من مخاطر انخفاض أسعار أوراق مالية يملكها، ويتم ذلك باستخدام البيع على المكشوف، ويوجد نوعين من التغطية، الكاملة وغير الكاملة، فضلاً عن عقـود الاختيارات.

والمعاملات الآجلة هي: العمليات التي تنعقد في الحال، ويتفق الطرفان على تأجيل التسليم ودفع الـثمن إلى يوم معين يسمى يوم التصفية [[9]].

أما المعاملات العاجلة يقصد بها: العمليات التي يـتم فيها تـسليم الأوراق المالية المباعة، ودفعها في محـافظ المـشتري، وتسليم ثمنها للبائع بعد تنفيذ العقد مباشرة، أو خلال مدة قـصيرة.

كما يقصد بعقود الاختيارات هي: الاعتياض عن الالتزام ببيع شيء محدد موصوف أو شرائه بسعر محـدد خلال فـترة زمنية معينة، أو في وقت معين إما مباشرة، أو من خلال هيئة خاصة لحقوق الطرفين.

كما ابتكروا لزيادة عدد الصفقات وكمية الأوراق المالية المتعامل بها أسـاليب التمويل النقدي الجزئي للمشتريات، والبيع على المكشوف، ولزيادة سرعة تلك الصفقات وإيجاد فروق لأسعار الأوراق المالية استخدموا أسـاليب ملتوية لحـث الآخرين على التعامل معهم، مثل ترويج الإشاعات الكاذبة، والتأثير على حركـة التداول عبر اتفاقيات ثنائية أو جماعية بين مضاربين محترفين وفـق ما يحقق لهم من الأرباح. [[10]]

  • والناظر في التشريع الأردني، يجد أنه لم يشر إلى تعريف لجريمة التغرير أو التلاعب بأسعار الأوراق المالية، وإنما حظر على أي شخص القيام ببث إشاعات أو إعطاء معلومات أو بيانات مضلله أو غير صحيحة تؤثر في سعر أية أوراق مالية أو سمعة الجهة المصدرة لها، أو أي عمل يقوم به أي شخص للتأثير على أسعار الأوراق المالية، أو أي عمل من شأنه الحاق الضرر بسمعة السوق أو المتعاملين، حيث نصت المادة (19) من قانون الأوراق المالية رقم (17) لسنة 2018 بشأن ذلك بالمادة (109) على أنه : ( للمجلس تقييد الترخيص أو الاعتماد الممنوح وفق أحكام هذا القانون، أو تعليق أو إلغاء أياً منها في أي من الحالات التالية:

أ. مخالفة المرخص له أو المعتمد لأي من أحكام هذا القانون، أو الأنظمة، أو التعليمات، أو القرارات الصادرة بمقتضاه.

ب. إذا ثبت للهيئة لأي منهما قد ارتكب خداعاً أو احتيالاً.

ج. إدانة أي منهما أمام المحكمة المختصة بارتكاب خداع أو احتيال في أي من المعاملات المتعلقة بالأوراق المالية.

هذا ومن المتعارف عليه أن صور التغرير، والسلوكيات الغير أخلاقية كثيرة ومتعددة، بل ومتغيرة ومتجددة، ففي كل يوم تتجدد أساليب خداع المضاربين، وسبل إقناعهم، مما يجعل الكثير يقع فريسة تلك الألاعيب والحيل الخداعية، ولعل من أبرز صور التغرير التي تتم داخل الأسواق المالية من واقع الأعراف في هذا النوع من المعاملات ما يلي:

١− البيع الصوري: ويقصد بهذا العمل: خلق تعامل ظاهر نشط ومستمر على أحد الأسهم، لإيهام المضاربين بأن السهم عليه حركة، أو يخبئ خيراً لهذا السهم، في حين أن الأمر في حقيقته لا يعدو مجـرد مضاربة بحتة، ولا توجد عليه أي مبشرات أو ومحفزات، ومن أمثلة البيع الصوري من التطبيقات العملية بشأن ذلك:

(أ) أن يقوم المضارب بالبيع على نفسه بكميات كبيرة، من خلال تعـدد المحـافظ التي باسـمه إن كانـت اللوائح أو الأنظمة لا تمنع ذلك، أو بأسماء أصدقائه، أو أفراد أسرته، أو بأسـماء مجموعات متفـق فـيما بينهـا عـلى هـذا الأساس، ثم تقوم هي نفسها بالبيع على البائع الأول، وإعادة هـذا الـسهم وذات الـورقة المالية إليه بسعر أكبر، في حالة الرغبة في الصعود للسهم، أو أقل في حالة الرغبة للسهم النزول، ويتم ذلك في الغالب بوضع أوامر البيع أو الـشراء لهذه الأسهم مشروطة ببيعها أو شرائها كاملة، والغالب أن تلك الطلبات يكون فيها اتفاق متبادل مسبق بين الطرفين لعدم اسـتطاعة الأفـراد شـراء مثل هذه الكميات من الأسهم، فتتأثر العروض والطلبات جراء ذلك التلاعب، والهدف من ذلك كما سبق إيهام المتعاملين بـأن هناك تغـييرات سريعة قد تمت على هذا  السهم، وهذه العملية من المضاربات التي يـسميها بعـض المضاربين بعملية التدوير.

(ب) ومن صور البيع الصوري أيضاً: أن ينتهز المضارب أو المستثمر المخادع فرصة ارتفاع في القيمة السوقية         لأسهم يمتلكها، فيقوم على الفور بالاتفاق مع أشـخاص آخرين ببيعها لهم بشكل صوري بسعر أعلى من السعر السائد في السوق، ثم يقوم هؤلاء الأشخاص في نفس اليوم بإعادة بيعها له بـسعر أعلى، أو يقوم المضارب نفسه بالبيع، ثم يعرض بسعر أعلى، ثم يقوم بالشراء وهكذا، فمثل هذه المبايعات والتداولات للسهم من شأنها أن تفرض حالة من الأمان والاطمئنان لدى المضاربين بإبقاء أسهمهم، لكثرة وتزايد التعامل على تلك الأسهم، وهو ما يعتبره بعض المضاربين، والذين لا يملكون أسهماً من هـذه الشركة المساهمة، أن مثل هذا التداول يعد مؤشرا على تحـسن  ظـروف المنـشأة، خاصة إذا كان مثل هذا التداول قبيل انعقاد الجمعية العمومية للشركة، مما قد يشجع بعضهم على الإقبال على شراء هـذه الأسـهم، مما يترتب عليه مزيد من الارتفاعات في قيمتها الـسوقية، ثـم يقوم بعـد ذلـك المـضارب المحترف والذي يملك أسهما بنسبة كبيرة  في هذه الشركة ببيع ما يملكه منها بالسعر المرتفع ويجني أرباحه، مما يؤدي بطريق اللزوم المنطقي عند تشبع السهم في البيع أن يتدهور وينهار سعره السوقي إلى شدة المنحدر، ويطلق على هذه الطريقة اسـم: الغلاية، وهذا مصطلح فني يعرفه أهل التحليل الفني والمضاربة. [[11]]

ومما لا شك فيه أن هذا البيع الصوري نوع من أنواع التغرير والخداع والـنجش المجمع على تحريمه شرعاً وقانوناً، والمقصود بالنجش لغة واصطلاحاً: هو الإضرار بأحد المتعاقدين على سـبيل المكر والخديعـة بزيادة في السلعة ومدحها أو ذمها، سواء كان المخادع في الـسعر شخصا لا يريد السهم، فيزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، أو كان البائع نفسه، وذلك لأن المقصد الأكبر في النهي عن التغرير في الـسعر هـو الإضرار.

٢− الاحتكار: حيث أنه ومن المتعارف عليه أن من صور التغرير أيضا ما يقوم به بعض المضاربين مـن احتكـار بعض الأسهم مع البيع الصوري حتى يرتفع السهم، فيقوم بعد ذلك هذا الشخص المخادع بالبيع للسهم، بمعنى أن يقوم المضارب بالتجميع في سهم معين لحقبة زمنية طويلة حتى يقل العرض عليه من الناس، وكلما وجد عرضاً من العروض قام بالـشراء بصورة لا تثير متابعي الأسـهم والمضاربين في العادة، وبعد أن يرتفع السعر بفوارق سعرية جيدة، إما لكثرة الطلب عليه، وإما لوجود محفز بشأنه من زيادة رأس المال، أو منحة في توزيع الاحتياطي، فيزداد طمع المضارب في التجميع أكثر وأكثر، فيقوم بالضغط على السهم بعرض كمياته التي اشتراها أصلا بسعر قليل.

3- العروض الوهمية: وتتم هذه الطريقة طبقاً لما لقواعد الأعراف في هذا الشأن قبل افتتاح السوق المالي للتداول بساعة أو نصف سـاعة تقريبا، حيث يقوم مضارب السهم، والذي يملك أسهماً كثيرة في سهم ما بعرض عروض بيع بصفقات مختلفة ليوهم المضارب غير المحترف بأن هذه العروض من أشخاص عديدة ومختلفة، وغاية هذه الطريقة هو الإيهام بأن السهم عليه تعاملات، أو لديه فأل أو خبر سيء، فيقوم ملاك هذا السهم بتقديم عروضهم للبيع بسعر أقل من سعر مـضارب الـسهم المحترف، ليغتنموا فرصة البيع أولاً، حتى إذا لم يتبقى لافتتاح السوق إلا لحظات معدودة، قام بإلغاء أوامر العرض، ثـم سـحب عروض ملاك الأسهم المخدوعين، فاشتراها منهم، ثـم يبدأ السهم بالصعود تدريجياً ليصل أحياناً بنسبة قريبة من النسبة اليومية، وقد يماثلها، فيقوم الملاك بشرائها مرة ثانية، فيقوم المضارب ببيعها عليهم بفارق سعري عال وجديد.

4− نشر الـشائعات والأكاذيب: حيث يتم في تلك الحالة تسريب معلومات خاطئة عن شركة من الشركات المساهمة، والمتداول أسهمها في سـوق المال، ومن بعدها القيام بعمليات تداول تصاحب هذه الأخبار الكاذبة والشائعات، مما يؤدي بالضرورة أن مثل هذه الشائعات والمعلومات الخاطئة سـوف تترجم عمليا إلى اتخاذ مواقف بيع أو شراء من قبل ملاك هذا السهم، على حسب نوع هذه الأخبار، ويقوم صانعو السوق في غيبة الرقابة الذاتية والرقابة النظامية بتسريب تلك الأخبار المضللة في الصحف ووسائل الإعلام، وفي المنتديات الاقتصادية، كل ذلك من أجل أن يدفعوا صغار المستثمرين لبيع أسهم شركة معينة، فتنخفض أسعار أسهمها، فيغتنم صانعو الـسوق والمضاربون المضللون بالتغرير هذا النزول وهذا التدهور، فيقومون بشراء تلك الأسهم بأسـعار ربما لم يحلموا بها، ثم بعد زمن تظهر الأخبار الصحيحة مـن زيادة في رأس المـال أو منحة في أسهم، أو إبرام صفقة تعود على الشركة بمستقبل واعد، وحينئـذ تتجـه الأسـعار مرة أخرى إلى الـصعود، فيبادر الجمهـور إلى الـشراء بعـد أن باعوها بخـسارة، وتواصل الأسـعار سـيرتها التصاعدية إلى أن تـصل إلى المستوى الذي يرضي مطـامع المضاربين، فيصفون محافظهم بالبيع، ولا تلبث الأسعار أن تتدهور بـسبب كثـرة الطلب، مما ينبني عليه مزيداً من الخسائر على صغار المستثمرين.

(خامساً): ضوابط وتعليمات شركة بورصة عمان للحد من أفعال التغرير في المضاربات

تهدف شركة بورصة عمان وما زالت إلى ممارسة جميع أعمال أسواق الأوراق المالية والسلع والمشتقات وتشغيلها وإدارتها وتطويرها داخل المملكة وخارجها، وتوفير المناخ المناسب لضمان تفاعل قوى العرض والطلب على الأوراق المالية المتداولة وفق أسس التداول السليم والواضح والعادل، ونشر ثقافة الاستثمار في الأسواق المالية وتنمية المعرفة المتعلقة بالأسواق المالية والخدمات التي تقدمها الشركة، ولتحقيق غاياتها تضع الشركة الأنظمة الداخلية والتعليمات والمتطلبات اللازمة لإدارتها، وتلك المتعلقة بالتعامل بالأسواق المالية وفق أفضل الممارسات العالمية المتبعة، ولها في سبيل ذلك إنشاء واحتساب المؤشرات المالية الخاصة بالأوراق المالية المدرجة فيها، والدخول في اتفاقيات أو تحالفات استراتيجية وتجارية واستثمارية مع أسواق المال والمشتقات داخل المملكة أو خارجها ومع مزودي الخدمات أو أي جهات أخرى ذات علاقة بعملها، والتعاون، وتبادل المعلومات مع الأسواق والجهات الرقابية والإشرافية على الأسواق المالية ذات الصلة والسلطات الحكومية وغير الحكومية وغيرهم من الجهات والأشخاص داخل المملكة وخارجها.

وهو الأمر الذي أكد عليه قانون الأوراق المالية الأردني رقم (17) لسنة 2018، وتولد عنه صدور                                 تعليمات تداول الأوراق المالية في شركة بورصة عمان لسنة 2018 الصادرة بالاستناد لأحكام المادة (70/أ) من قانون الأوراق المالية رقم (18) لسنة 2017، والمادة (8) من النظام الأساسي لشركة بورصة عمان المساهمة العامة المحدودة، المعدلة بموجب قرار مجلس مفوضي هيئة الأوراق المالية، وبشأن ذلك فقد نصت المادة (3) من تلك التعليمات على أنه: ( أ- لا يجوز التداول في البورصة إلا بواسطة عقود تداول تبرم بين الوسطاء مدونة في سجلات البورصة لحسابهم أو لحساب عملائهم وفقاً للأنظمة الداخلية للبورصة وتعليماتها الملزمة لجميع الأطراف المعنية بالتداول.

‌ب- يحظر الاتفاق على سعر يخالف ما ورد في عقد التداول.

ج- يكون باطلاً أي تداول خارج البورصة إلّا في الحالات التي تسمح فيها القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة.

‌د- تكون القيود المدونة في سجلات البورصة وحساباتها سواء كانت خطية أو إلكترونية وأي وثائـق صادرة عنها دليلاً قانونياً على تداول الأوراق المالية المبينة فيها بتاريخ تلك السجلات أو الحسابات أو الوثائق ما لم يثبت عكس ذلك).

  • كما نصت المادة (4) من ذات التعليمات على أنه: (يلتزم الوسيط بإبرام اتفاقية للتعامل بالأوراق المالية مع عميله تحدد حقوق والتزامات الطرفين وذلك وفقاً للتشريعات الصادرة عن البورصة).

وإحكاماً لقواعد التداول للأوراق المالية، ومنع الخداع والتلاعب، فقد نصت تلك التعليمات في المادة (8) على أنه: (يحدد مجلس الإدارة ما يلي: أ- مجموعة التسعير لكل سوق من أسواق التداول في البورصة.

ب- أوقات ومراحل جلسات التداول في البورصة، وللمدير التنفيذي في الحالات الطارئة التي تقتضيها الضرورة إجراء أي تعديل على الجدول الزمني لجلسات التداول وإعلام الهيئة والمركز والوسطاء بذلك فوراً.

‌ج- نسبة الارتفاع والانخفاض اليومية المسموح بها لسعر الورقة المالية عن السعر المرجعي.

د- الحد الأدنى الذي يمكن للوسيط إظهاره من كمية الأوراق المالية المدخلة في أوامر الشراء والبيع.

‌هـ- الفترة الزمنية الواجب انقضاؤها على إدخال الأمر إلى نظام التداول أو تعديله حتى يتسنى للوسيط تعديله مرة أخرى.

  • وفي ذات السياق نصت المادة (12) على أنه: (للمدير التنفيذي وفي الحالات التي تقتضيها مصلحة السوق، إيقاف جلسة التداول أو إيقاف تداول ورقة مالية أو أكثر لمدة محددة خلال جلسة التداول وإعلام الهيئة والمركز والوسطاء بذلك فوراً).

فضلاً عما جاءت به المادة (13 /أ، ب) من ذات التعليمات بأنه: (أ- تقوم البورصة بإلغاء أوامر البيع وأوامر الشراء المدخلة إلى نظام التداول والتي لم تنتهِ مدة سريانها على أي ورقة مالية في الحالات التالية:

  1. اليوم التالي لتوزيع الأرباح النقدية.
  2. جميع الحالات التي تحتسب بها البورصة سعراً مرجعياً جديداً.
  3. إذا كانت أسعار أو كميات تلك الأوامر تؤدي إلى تعطيل تداول الورقة المالية.
  4. تعويم سعر الورقة المالية.
  5. بناء على طلب الوسيط المعني.
  6. أي حالات أخرى تقتضيها الضرورة ويقدرها المدير التنفيذي.

‌ب- للمدير التنفيذي وفي الحالات التي تقتضيها الضرورة إلغاء أي عقد تداول جرى تنفيذه خلال جلسة التداول ويعلم الوسطاء المعنيين بذلك فوراً).

  • ولما كان التلاعب بالأوراق المالية عن طريق التغرير يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، فقد وجب الإشارة إلى العقوبات المقررة لتلك الجريمة وفق المادة (107) من قانون الأوراق المالية رقم (17) لسنة 2018 والتي نصت على أن: (أ- يعاقب كل من يخالف أحكام هذا القانون، أو الأنظمة، أو التعليمات، أو القرارات الصادرة بمقتضاه بغرامة لا تزيد عن (100000) مائة ألف دينار إضافة إلى غرامة لا تقل عن ضعف الربح الذي حققه أو ضعف الخسارة الذي تجنبها، على ألا تزيد على خمسة أضعاف من الربح أو الخسارة.

ب- مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ورد النص عليها في أي تشريع أخر، وإضافة إلى الغرامات المبينة في الفقرة (أ) من هذه المادة، يعاقب كل من يخالف أياً من أحكام المواد المبينة أدناه بما يلي:

  1. الحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات لمخالفة أحكام الفقرة (ج) من المادة (63) والفقرتين (هـ) و (و) من المادة (105) والمادة (106) من هذا القانون.
  2. الحبس مدة لا تزيد على سنة لمخالفة أحكام البند (1) من الفقرة (أ) من المادة (34) والفقرة (د) من المادة (42) والفقرة (أ) و (ب) من المادة (47) من هذا القانون.

ج- للمحكمة المختصة ألا تحكم بعقوبة الحبس إذا كانت المخالفة للمرة الأولى أو إذا أودع المخالف لصندوق المحكمة أو للهيئة مبلغاً كافياً لدفع قيمة الغرامات التي قد يحكم بها، شريطة دفعها قبل اكتساب الحكم الدرجة القطعية.

د- يعاقب الشريك والمتدخل والمحرض بالعقوبة ذاتها.

هـ- لا يعتبر أعضاء مجالس هيئة الإدارة وأعضاء هيئة المديرين والشركاء المتضامنون والموظفون المعنيون لدى الشخص الاعتباري المخالف مسؤولين عن المخالفة ما لم يثبت علمهم بارتكابها.

و- يكون المحكوم عليه بأي مخالفة سواء كان ذلك عن قصد أو تقصير أو إهمال مسؤولاً عن تعويض أي شخص تضرر جراء المخالفة بمقدار الخسارة التي تكبدها أو الربح الذي فاته.

ز- للمحكمة المختصة إلقاء الحجز على موجودات أي شخص يحاكم لديها ضماناً لسداد الغرامات أو التعويضات التي يحكم بها، ولها أن تعين قيماً على هذه الموجودات.

(سادساً): خاتمة

ختاما وفي هدي هذا المقال تم تسليط الضوء على التغرير في المضاربات في بورصة الأوراق المالية وذلك من خلال تعريف المضاربة في الأوراق المالية، وتعريف البورصة وسوق الأوراق المالية وماهية الأوراق المالية، وصور التغرير في بورصة الأوراق المالية، وأخيراً ضوابط وتعليمات شركة بورصة عمان للحد من أفعال التغرير في المضاربات.

كتابة الأستاذ/ محمد جلال جعفر

[1] – د. الصديق محمد الضرير، الغرر وأثره في العقد، دار الجيل، الطبعة الثانية، 1410، ص 35.

[2] – التاج والإكليل لمختصر خليل، لأبي عبد الله محمد بن يوسف المواق، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1416.

[3] – د. محمد عيد القرني، نحو سوق إسلامية، من مجلة ودراسات اقتصادية إسلامية، العدد (١)، ص 14.

[4] – الأسواق والبورصات، مقبل الجميعي، مدينة النشر والطباعة، الإسكندرية، ط بلا، ص 122.

[5] –  د/ أحمد محي الدين أحمد، أسواق الأوراق المالية وآثارها الإنمائية في الاقتصاد الإسلامي، مجموعة دله البركة، قسم الدراسات والبحوث الشرعية، الطبعة الأولى، 1415، ص 484.

[6] – إبراهيم محمد أبو العلا، بورصات الأوراق المالية والقطن بالقاهرة والإسكندرية، الطبعة الأولى، 1960، ص 29-30.

[7] – د. عبد الله العمران، الأوراق التجارية في النظام السعودي، مطبعة الإدارة العامة، معهد الإدارة، 1419، ص 14.

[8] – د. أكرم ياملكي، القانون التجاري والشركات، عمان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ٢٠٠٨ م، ص ٢١.

[9] – حسن لبيب، عيسى عبده، سامي وهبة، البورصات، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1947، ص 27.

[10] – شعبان محمد إسلام البرواري، بورصة الأوراق المالية من منظور إسلامي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، ص 170.

[11] – د. عبد الله العمراني، التلاعب في الأسواق المالية، بحث تقدم به الى الدورة العشرين للمجمع الفقهي الإسلامي المنعقدة في مكة المكرمة في الفترة من ٢٠-٢٩ ديسمبر، ٢٠١٠، ص ١٢.

Scroll to Top