شهادة الأصول والفروع في الدعوى الجزائية

شهادة الأصول والفروع في الدعوى الجزائية

إن بعض الدعاوى الجزائية التي تقام أمام المحاكم المختصة أساسها الشكوى الجزائية التي يباشر المدعي العام إجراءات التحقيق الإبتدائي بشانها، وقد سبق وأن تحدثنا عن مرحلة التحقيق الإبتدائي وعن الإجراءات التي تتخذ من قبل المدعي العام في هذه المرحلة وتقسم إلى قسمين وهما إجراءات البحث عن الأدلة  وهي الانتقال والمعاينة و ندب الخبراء، سماع الشهود والتفتيش وضبط المواد المتعلقة بالجريمة، والقسم الأخر من إجراءات التحقيق هي الإجراءات الإحتياطية ضد المتهم أثناء التحقيق وهي الدعوى للحضور ومذكرة الإحضار و القبض والتوقيف وإخلاء السبيل .

وقد سبق وأن تناولنا عدد من المعاملات التحقيقية في مقالات عديدة ومنها إجراءات الإستجواب ، إجراءات القبض،التوقيف، إجراءات التفتيش ، إجراءات ضبط المواد المتعلقة بالجرمية ، مذكرة الحضور ومذكرة الإحضار، وإجراءات سماع الشهود أمام المدعي العام .

وسنخصص هذا المقال للحديث عن شهادة الأصول والفروع في الدعوى الجزائية، حيث أن موضوع شهادة الأقارب ذات طبيعة حساسه قد تؤثر على مجريات القضايا الجزائية، لذلك وضع المشرع الأحكام القانونية التي تحكم شهادة الأصول والفروع في الدعوى الجزائية إستناداً لقانون أصول المحاكمات الجزائية لسنة 1961 وتعديلاته في المواد 153_ 155.

المقصود بالشهادة

هي إحدى وسائل الإثبات الجزائي والمدني ، وهي تقرير الإنسان عما رآه أو سمعه أو أدركه بإحدى حواسه في الواقعة التي يشهد عليها، فإن الشهادة قد تكون شهادة رؤية أو شهادة سمعية أو حسية تبعاً لإدراك الشاهد الذي يدلي بها [1].

المقصود بشهادة الأصول والفروع

هو أن يشهد أقراب الجاني أو المجني عليه بما رأوه أو سمعوه بخصوص الواقعة الجرمية، والحقيقة أن شهادة أقارب الجاني المشتكى عليه سواءً كان ظنين أو متهم[2] هي محل حيرة ، فالشاهد القريب قد يحتار في أمر أداء الشهادة بين قول الحقيقة والإضرار بالمتهم أو الكذب و إنقاذه مما هو متهم به .

فموضوع شهادة الأصول والفروع يمس النظام الأُسري لذلك رأى المشرع ضرورةإفرد نصوص خاصة تنظمه.

أنواع الشهادة

1_ الشهادة المباشرة.

2_ الشهادة غير المباشرة.

الشهادة المباشرة

هي الشهادة التي تكون ذات إتصال مباشر بين الشاهد والواقعة الجرمية المشهود عنها، ويقصد بالإتصال المباشر أي أن حواس الشاهد كانت على اتصال مباشر بالواقعة الجرمية، كأن يكون قد رأى ببصره الواقعة، وتعتبر هذه الشهادة دليل إثبات كامل في الدعوى .

الشهادة غير المباشرة

وهي الشهادة التي ينقل فيها الشاهد الواقعة الجرمية بناءً عما سمعه من الغي، فيها تسمى الشهادة السماعية، وهي لا تصلح لوحدها كدليل إثبات.

وعليه فإن شهادة الأصول أو الفروع إما أن تكون شهادة مباشرة أو غير مباشرة.

طلب شهادة الأصول والفروع

إن الشهادة تتم في مرحلتي التحقيق ومرحلة المحاكمة، ففي مرحلة التحقيق تقوم النيابة العامة بإعلان الشهود الذين ترى  ضرورة سماع شهاداتهم، وللنيابة العامة مطلق التقدير في سماع شهادة أي شاهد يحضر ولو من تلقاء نفسه، وفي مرحلة المحاكمة  فإن الشهادة تتم عن طريق طلب الخصوم، كما أن للمحكمة أن تأمر ولو من تلقاء نفسها تكليف أي شاهد للحضور أمامها وسماع شهادته أن كانت لازمة وضرورية لإظهار الحقيقة، وشهادة الشهود أمام المدعي العام ليس محصورة بأشخاص معينين ، فليس هناك ما يمنع من الاستماع لشهادة أي شخص من الأشخاص بمن فيهم أقارب المتهم أو أصدقائه، و إن إجراء سماع الشهود من قبل المدعي العام هو إجراء تحقيقي سري، يتم بمعزل عن الجمهور بما فيهم المشتكى عليه والمسؤول بالمال والمدعي الشخصي ووكلائهم.

إمتناع الأصول والفروع عن الشهادة

الشاهدة ضد المتهم

إن الأصول في الشهادة عند إمتناع الشاهد عن الإجابة عن الأسئلة الموجه إليه بقصد الشهادة أن يقرر المدعي العام حبسه مدة لا تتجاوز شهراً واحداً وإذا قبل أثناء تواجده في السجن وقبل اختتام إجراءات التحقيق أن يحلف اليمين ويجيب على الأسئلة التي تلقى عليه فيفرج عنه في الحال بعد قيامه بذلك، سنداً لنص المادة 75 من ذات القانون ، إلا أن المشرع جعل إمتناع الشاهد القريب  للمتهم سواءً كان من الأصول أو الفروع أو الزوج بعد إنقضاء رابطة الزوجية أمر مشروع ولا تترتب عليهم مسؤولية كما ورد في نص المادة 165 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ، فليس هناك ما يجبرهم على أداء الشهادة وذلك مراعاة لصلة القرابة، وحفاظاً على نظام الأسرة ، وحفاظاً على العدالة أيضاً لأنه في حال رغم هؤلاء الأشخاص على أداء الشهادة ضد قريبهم المشتكى عليه فقد يلجأ الواحد منهم إلى الكذب في محاولة لإنقاذ المتهم من التهمة المنسوبة إليه وفي ذلك تضليل للعدالة.

وفي حال وافق أي من هؤلاء الأشخاص على أداء الشهادة فإن شهادته تكون مقبولة، سواءً تضمنت دفاع أو إدانة .

الشهادة دفاعاً عن المتهم

يمكن دعوة أقارب المشتكى عليه الظنين أو المتهم للدفاع عنه، وهذه تسمى الشهادة الدفاعية، هي شهادة صحيحة، وفي حال تضمنت شهادتهم ما يدين المشتكى عليه بالجرم المسند إليه فيجوز للمحكمة أن تستند إليها عند الحكم بالإدانة، وذلك سنداً لنص المادة 153 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي جاء فيها :

إذا دعي أي من أصول المتهم أو الظنين أو فروعه أو زوجه لأداء الشهادة دفاعاً عنه، فإن الشهادة المعطاة على الوجه المذكور سواءً في الاستجواب أو في مناقشة المدعي العام يجوز الإستناد إليها في إثبات الجرم المسند إلى المتهم أو الظنين .

الحكمة من جواز إمتناع الأصول والفروع عن الشهادة

هو لعدم التعارض ، فالأصل أن يكون الشاهد محايداً، فلا تكون له مصلحة شخصية تتعارض مع شهادته التي يؤديها، لأنه يفترض في الشاهد أن يدلي أقواله بموضوعية ، وأن تنقل للجهة المختصة بسماع أقواله الصورة الحقيقية لما يعرفه بشأن الواقعة موضوع الشهادة، وشهادة الأصول أو الفروع قد تتعارض مع مصلحتهم[3]، كون هؤلاء الأشخاص أقارب مقربين، ولذلك حفاظاً على الرابطة الأسرية ولعدم تعارض المصالح أجاز المشرع إمتناع هؤلاء عند أداء شهادتهم ، فعدم التعارض من  الضوابط التي تضمن  توافر الأهلية لدى الشاهد.

حجية شهادة الأصول والفروع

نصت المادة 154 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، أنه إذا دعي أي من أصول المتهم أو الظنين أو فروعه أو زوجه لأداء الشهادة دفاعاً عنه، فإن الشهادة المعطاة على الوجه المذكور سواءً في الاستجواب أو في مناقشة المدعي العام يجوز الاستناد إليها في إثبات الجرم المسند إلى المتهم أو الظنين، فإذا قام أحد الأقارب بالإعتداء على قريبه ممن ذُكر في المواد المشار إليها، أو أن يكون هناك جريمة زنا، وفي مواجهة هذا القرض، فقد أفرد المشرع نصاً خاصاً في المادة 155 وقضى بأن تقبل شهادة كل من الأصول والفروع أو الزوج في الإجراءات الجزائية التي يقيمها أحدهما على الأخر لضرر جسماني أو لاستعمال أحدهم الشدة مع الأخر أو في الإجراءات المتعلقة بالزنا[4].

ضوابط الشهادة

لا بد من أن يكون الشاهد أهلاً للشهادة حتى يتم الآخذ بشهادته ، وهناك ضوابط معينة يمكن من خلالها توافر الأهلية لدى الشاهد وهي :

1_ التمييز

وهو مناط الإدراك، وهو أن تتوافر لدى الشاهد إمكانيات العقلية التي تؤهله لأداء الشهادة فلا تقبل شهادة الصغير غير المميز، إذ لا يعتبر الصبي دون السابعة أهلاً للشهادة، ولا تقبل شهادة المجنون أو المعتوه والمصاب بمرض عقلي أو بضعف عقلي ناتج عن الشيخوخة الطاعنة [5].

2_حرية الإختيار

أي يجب أن تكون شاهدة صادرة عن إرادة حره دون أثر إكراه أو تهديد .

3_ حلف اليمين

إن الشهادة لا تصح إلا إذا كانت مسبوقة بحلف اليمين، فإن لم تكن كذلك، فتعتبر إجراءاً باطلاً، ولا يجوز الاستناد إليها، وتعتبر مجرد أقوال تحتاج إلى ما يدعمها ويؤيدها،

4_ عدم التعارض

ويقصد به أن يكون محايداً وقد سبق وأن تحدثنا عن ذلك في الحكمة من جواز امتناع الأصول والأقارب عن الشهادة .

سلطة المحكمة في تقدير قيمة الشهادة

للمحكمة سلطة تقديرية في الأخذ بشهادة الشهود، فلها أن تأخذ بشهادة من تطمئن إليه من الشهود ولا تأخذ بأقوال شهود آخرين إذا شكت بشهادتهم، فالشهادة خاضعة لتقدير المحكمة، وللقاضي مطلق الحرية في تقدير قيمتها واستخلاص مدى دلالتها ومدى قوتها في الإقناع حول حقيقة  واقعة معينة،

كما تستطيع المحكمة أن تجزىء الشهادة الواحدة، فتاخذ ببعض ما جاء فيها، وتطرح ما لا تطمئن غليه منها، شريطة أن تذكر المحكمة في حكمها أنها قصدت هذه التجزئة، حتى لا يؤول ذلك على أن القاضي لم يفهم الشهادة أو لم يفطن لما يعيبها، فعلى المحكمة أن تقدم في حُكمها المسوغات الكافية التي دفعتها إلى الأخذ بجزء من الشهادة وعدم الأخذ بالجزء الأخر منها[6].

بعض من إجتهادات المحاكم الأردنية فيما يتعلق بشهادة الأصول والفروع في الدعوى الجزائية

الحكم رقم 1451 لسنة 2009 – محكمة التمييز بصفتها الجزائية :

تقبل شهادة كل من الأصول والفروع أو الزوج في الإجراءات الجزائية التي يقيمها أحدهما على الأخر لضرر جسماني أو لاستعمال أحدهم الشدة.

من أسباب التمييز

أخطأت المحكمة بإعمال نص المادة 153 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وذلك بصرف النظر عن سماع شهادة المجني عليها بحجة أن المميز ضده هو والد المجني عليها ذلك أن الوقائع التي ستشهد عليها تنصب على الأفعال التي قارفها المميز ضده ضد المجني عليها نفسها وبالتالي فإن نص المادة المذكورة لا ينطبق على وقائع هذه الدعوى .

إما استقر عليه قضاء محكمتنا أن القاعدة الأصلية في المادة 153 من قانون أصول المحاكمات الجزائية بسماع أقوال أصول المتهم أو الظنين وفروعه وأجاز لهم الامتناع عن أداء الشهادة ضدهم أو شركائهم في اتهام واحد إلا أن المشرع أورد استئنافين لذلك هما :-

أولاً :- ما نصت عليه المادة 154 من الأصول الجزائية من انه إذا دعي أي من أصول المتهم أو فروعه أو زوجته لأداء الشهادة دفاعاً عنه فإن الشهادة المعطاة دفاعاً عنه سواء في الاستجواب أو في مناقشته المدعي العام يجوز الاستناد إليها في إثبات الجرم المسند للمتهم .

ثانياً :- ما نصت عليه المادة 155 من ذات القانون بقبول شهادة كل من الأصول والفروع أو الزوج أو الزوجة في الإجراءات الجزائية التي يقيمها احدهما على الآخر لضرر جسماني أو لاستعمال احدهم الشدة مع الآخر في الإجراءات المتعلقة بالزنا .

وحيث أن الثابت من أوراق الدعوى أن المجني عليها جمانة مروان سالم هي ابنة المتهم وهي من تقدم بهذه الشكوى بحقه وتدعي بها وحسب إسناد النيابة العامة انه قام بهتك عرضها خلافاً لأحكام المادة 296/1 عقوبات وبدلالة المادة 300 من ذات القانون مكررة مرتين وقام بإيذائها خلافاً لأحكام المادة 334 عقوبات وعليه فإن هذه الأفعال من قبيل الإجراءات الجزائية التي استعملت فيها الشدة بحقها وان من حقها أداء الشهادة في هذه القضية وفق أحكام المادة 155 من الأصول الجزائية ولا محل لتطبيق الخيار المنصوص عليه في المادة 153 من ذات القانون كون المجني عليها هي المشتكية والإجراءات الجزائية المدعاة مورست بحقها ( 196/2005 و 744/97و149/87) .

وحيث أن محكمة الجنايات الكبرى لم تستمع لأقوال الشاهدة المجني عليها جمانة فإن قرارها مخالف للأصول والقانون ومستوجب النقض والإعادة لسماع أقوال الشاهدة المجني عليها ومن ثم إعادة وزن البينة .

إعداد المحامية: ليلى خالد.

[1] د. مأمون سلامة، الإجراءات الجنائية في التشريع المصري، الجزء الأول، دار الفكر العربي، القاهرة، 1988، ص223.

[2] الظنين هو من ظن عليه بجنحة، المتهم هو من ظن عليه بجناية.

[3] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص 254.

[4] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص 255.

[5] د. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، دار النهضة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1988، ص 445.

[6] د. محمد سعيد نمور، أصول الإجراءات الجزائية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2021، ص 264.

Scroll to Top